بروف صلاح استاذ مادة الرسم الهندسي في كلية الدراسات الهندسية بالكليات التكنولوجية ( جامعة السودان للعلوم و التكنولوجيا حاليا ) كان يصيح بصوت جهور و لغة انجليزية رصينة ان الرسم الهندسي علم و موهبة يعتمد اولاً و اخيراً علي سعة الخيال و على ابداع مغروس في سويداء الجينات ولا يجدي معه معرفة عميقة باسس الرياضيات و علم الحساب فحسب ..أقول ذلك و المهندس دروري جوباي لاموري السودانوي الاصيل المترع بالثقافة و الابداع المنحدر من اصول اعالي جبال النوبة كان الاذكي و الاشطر بيننا في فك طلاسم وعقد الرسم الهندسي ، وترسيخاً لهذا الشطارة المستحقة اشتهر البروف صلاح بمناداة دروري و هو يعكف علي ايجاد قيمة حقيقية لزاوية حادة اختبأت خلف حديد ماكينة عملاقة لصناعة النسيج و غزل الخيوط ، كان بروف صلاح ينادي دروري بصوته الجهور و يقول سائلاً : ” جاتك كم يا دروري ؟ “، و كان الطالب عبدالله محمد احمد آنذاك و المهندس النحرير لاحقاً وبكل اريحية و سماحة اهلنا في الدندر كان لا يفتأ يقلد بروف صلاح و هو ينادي دروري ، و اشتهر بيننا دروري بإتقان الرسم الهندسي و اضحت محاضرة الرسم الهندسي عندنا تعني دروري و ” التي اسكوير ” T-square ruler المسطرة الاشهر ، و عبدالله الدندراوي بسخريته اللاذعة و بروف صلاح بقسمات وجههه الصارمة و علمه الوقور .
حبب الينا كل ذلك الرسم الهندسي و ابداعاته وخياله العميق و فنونه التي هي من واد عبقر ولا جدال . حبنا للرسم الهندسي يجعلنا ننظر الي الهندسه من منظور فلسفي نبحر بموجبه في الاشكال و نغوص في عمق لا يراه سوى الخيال ، قادني ذلك الي الاهتمام بمعارض البناء و التشييد ، فكنت من مرتاديها بكل شغف الهندسة ورسمها الموسوم بالهندسي .
في واحد من معارضها المحضورة و المهندس المتخصص في صناعة الحديد يشرح بحماس مواصفات الحديد وان لكل نوع من الحديد سمك محدد حتى الحديد الذي تصنع منه ابواب السجون له سمك و أبعاد و مقاييس عالمية تلتزم بها جميع الدول ، عندها تذكرت تعليقه صاحبنا ، ابتسمت ثم ضحكت. فنظر الذي يجلس إلى جواري في ريبة مُبررة، لأنني لم أك أحمل هاتفاً في يدي أبحلق في شاشته، ولم أك في حالة وتسبة صوفية تفصلني عن محيطي.
كان لا بد لي من تبرير ضحكتي التي تفجرّت في غير مكانها ولا زمانها، تبريراً لا يضعفه الارتباك ولا يوهنه مدخل القطع الأخدر. لأن ريبة المُرتاب جواري، ستحول دون استيعابه لتبريري.
قلت له ولم تزل تلوح على محياي بقايا من أسارير متهللة، تبدو مشروع ناجحاً لضحكة مكتومة تعززت بنصف الابتسامة التي بدأت تحتل زاوية فمي اليسرى. سألته: الحديد اللي عملو منو الحواجز – وكانت تعرض على شاشة أمامنا – كم لينية؟
ولأن من المؤكد أنني وقعت في محظور المدخل المعتل، ردّ بعد أن أبعد كتفه الذي يلاصق كتفى: والله ما عارف!
صعّبت الإجابة مهمتي في التبرير، فتذكرت مأزق (صاحبنا إياه)، وقطعاً لن استطع أن اتصرف كما فعل صاحب المقولة الأشهر، وكان عليّ أن ألجأ إلى الخطة (ب)، أو المدخل البديل.
قلت له، إن السجون عندها مواصفات تصميمية مُحددة، من ضمنها سماكة سيخ الحديد الذي تشيّد به الأبواب والحواجز.
بدأ لجاري الذي عاد إلى تقاطيعه بعض الهدوء، أنّ في حديثي شيءٌ من المنطق، وأخذ يتماسك كأنّه ينصت إلى خبير. وحين تأكّدت من نجاعة مدخلي، أوضحت له وبدون مقدمات، سبب ضحكتي التي استفزته.
قلت له: في تسعينيّات القرن الماضي، كنت أبحث وبحرصٍ شديد، خدمة لأحد أصدقائي المغتربين، يسكنه دائماً هاجس الخوف من السرقة، وكان يبني بيتاً صغيراً جعلني أشرف عليه، ومن شفقته وشغفه بتفاصيل البناء، يهاتفني أنصاص الليالي ليحدّثني عن مواصفات بيت أحلامه ومواصفات الطوب والسيخ الذي يجب أن تكون عليه الحواجز الحديدية، وكان المرّة تلو المرّة يذكرني بأن حديد القريلّات والحواجز، لا بد أن يكون (خمسة لينية سادة)، ثم طفق يحاضرني بأنّه استشار أحد العالمين ببواطن الحدادة عن المواصفة القياسية لصناعة حواجز حديدية آمنة تمنع عتاة اللصوص والمجرمين من اجتيازها، فنصحه بأن يشيدها بـ (حديد سادة مقاس خمسة لينية).
حفيت قدماي بحثاً عن حديد بهذه المواصفات، وكان آخر طوافي سوق السجانة الشهير. وجدت كل أنواع السيخ وألوانه، دون أن تنطبق عليه مواصفات كونه سميكاً وسادة من غير شلوخ.
حين أعثر على السيخ السادة، افتقد فيه السماكة المطلوبة، وعندما أجد سُمكها كما ينبغي لصديقي وهواجسه، أجده مشرشراً ومشرشحاً ومُشلخاً كدرب الطير !
المهم..
انتهى بي المطاف إلى دكانٍ يجلس فيه صاحبه خلف مكتبٍ خشبي قديم تآكلت حوافه. ألقيت التحية كمسافر يلقي على الأرض حقيبة سفر أثقل وزنها كتفه.
ردّ صاحب الدكان التحية، فيما صمت الذي يجلس جواره عن رد السلام.
لم أتبين معالم الصامت عن السلام، لأنه كان مشغولاً بدفن رأسه بين دفتي صحيفة قديمة، صفراء اللّون من أثر ضربات الشمس على أوراقها وعناوينها المثيرة. لم أتبين ملامحه إلّا بعد أن بدأت أسأل عن غرضي: “لو سمحت، عندكم حديد خمسة لينية سادة”؟
وقبل أن يجيب صاحب الدكان، أزاح صاحبنا الصحيفة عن وجهه وتركها تتدلّى باهمال على ركبتيه المنفرجتين، ثمّ رفع راْسه متسائلاً في صوت أجش:
– حديد خمسة لينية سادة، عايز بيهو شنو؟
نظرت إليه متنهداً وأجبته بارتياح بالغ بعد أن وجدت من يفهم طلبي أخيراً:
– عايز أعمل بيهو حواجز قريلّلات على الأبواب والشبابيك.
سأل الرجل باستنكار:
– تعملو شنو؟
– قلت ليك بعمل بيهو قريلّلات.
قال بذات وتيرة الاستنكار التي تشوبها سخرية أقرب للاستفزاز:
– يا ابن العم، حراسة البوليس وسجن الحكومة اللّي بيحبسو فيهو المجرمين العتاولة، بيعملوهو بأربعة لينية.
ضحكت وضحك صاحب الدكان، واكتفى هو بنصف ابتسامة وعاد ليدس وجهه بين دفّتي الصحيفة الصفراء.
انتهت نوبة الضحك ومسحت دموعي وقلت له وكأنّني أخاطب صديقاً يستملح المكاواة والشغب:
– والله عشان كلامك دا، إلّا ألقاهو وأعمل منو قريلّلات بيت صاحبي.
وقد كان!
التحية لهم جميعاً لصديقي المغترب ، لصاحب الدكان و ل الممتنع عن السلام ، التحية للمرتاب الذي جلس الي جواري في معرض التشييد ، بل تعظيم سلام ل ذكرى البروف صلاح و للمهندس عبدالله الدندراوي الذي لا اعلم أين هو الان ؟ ولكن الذي اعلمه يقيناً انه اذا التقى الباشمهندس دروري جوباي وقبل ان يلقي عليه السلام سيقول له وضحكة من الاعماق يشرق بها وجههه مقلداً صوت البروف صلاح “جاتك كم يا دروري ” ؟









