إنفاذ معيار أم إكراه تفاوضي؟: قراءة في الموقف الأمريكي من استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان..د. أماني الطويل

د. أماني الطويل
مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبيرة فى الشئون الأفريقية
في مايو 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها خلصت إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيماوية خلال عام 2024، ثم أتبعت ذلك في يونيو من العام نفسه بحزمة عقوبات مفروضة بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وإنهاء الحرب لعام 1991.
هذه الحزمة دخلت حيز التنفيذ في الأسبوع الثالث من يوليو 2026 بعدما أعلنت واشنطن أن الخرطوم لم تستوفِ الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والقضاء على استخدامها، حيث تشمل الإجراءات العقابية الأمريكية منع تقديم قروض أو مساعدات مالية وفنية للسودان عبر بنوك التنمية متعددة الأطراف، وتشديد القيود على الصادرات، وتعليق صلاحيات شركات الطيران المملوكة أو الخاضعة لسيطرة الحكومة السودانية في تسيير رحلات من الولايات المتحدة وإليها، باستثناء المساعدات الإنسانية الأساسية وبعض السلع والتقنيات. وقد رفضت الخرطوم الاتهام جملةً وتفصيلاً، ووصفته بأنه قرار سياسي يفتقر إلى أي سند مادي مرتبط بتحقيقات ميدانية.
في هذا السياق، بدا الإجراء الأمريكي تطبيقاً مباشراً لمعيار دولي راسخ. غير أن قراءة أدق للمسار الذي سلكته واشنطن تكشف مسألة أعمق من صحة الاتهام أو بطلانه: لماذا اختير المسار الأحادي بدلاً من المسار المؤسسي المتاح؟، وما الذي يترتب على هذا الاختيار، لا بالنسبة إلى السودان وحده، بل بالنسبة إلى منظومة حظر الأسلحة الكيماوية برمتها؟
الإجابة عن هذا السؤال تتجاوز الحالة السودانية. فالمعيار الدولي لا يستمد قوته من مضمونه فحسب، بل من الطريقة التي يجري بها إثباته وإنفاذه. وحين ينفصل الإنفاذ عن آليته المؤسسية، فإن ما يهتز ليس موقع الدولة المتهمة، بل رصيد المعيار ذاته.
ومن المهم الإشارة إلى أن اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية لعام 1993 تقوم على آليات تحقق دقيق. فمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية تملك آليات محددة: بعثات تقصي الحقائق، وفرق تحقيق منفصلة لتحديد المسئولية، وصولاً إلى ما تعرف بعمليات التفتيش التي تتيح لدولة طرف أن تطلب تفتيشاً فورياً لموقع بعينه في دولة طرف أخرى، حيث صممت هذه الآليات تحديداً لانتزاع مسألة الإثبات من يد الأطراف المتنازعة ووضعها في عهدة جهاز فني متعدد الأطراف.
أما المسار الذي سلكته واشنطن في الملف السوداني، فقد كان مختلفاً. فقانون 1991 يتيح للسلطة التنفيذية الأمريكية إصدار تحديد وطني بشأن استخدام دولة ما لأسلحة كيماوية، وتترتب على هذا التحديد عقوبات تلقائية تشمل حظر مبيعات السلاح والمساعدات والائتمانات المدعومة حكومياً. والتحديد هنا يصدر استناداً إلى تقديرات استخباراتية لا تخضع للنشر، ولا تعرض على مراجعة خارجية، ولا تتيح للدولة المستهدفة أي مسار للطعن أو الدحض.
هنا لسنا بصدد تفصيلة إجرائية. فالفارق بين المسارين هو الفارق بين إثبات قابل للتدقيق وإثبات قائم على الثقة في الجهة المدعية. وحين تكون الجهة المدعية طرفاً سياسياً فاعلاً في النزاع نفسه، ووسيطاً معلناً في مساراته التفاوضية، فإن مطالبة الآخرين بقبول تقديرها دون معاينة دقيقة تصبح مطالبة غير مقبولة ولاتملك مصداقية.
يضاف إلى ذلك أن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 خلقت بيئة معلوماتية بالغة التعقيد والتلوث معاً. فطرفا الصراع يخوضان حرباً دعائية موازية للحرب الميدانية، وتتدفق الروايات المتناقضة عن الفظائع من كل الجهات، وتغيب القدرة على التحقق الميداني المستقل في مساحات واسعة من البلاد. في مثل هذه البيئة تحديداً، تشتد الحاجة إلى آلية تحقق محايدة، ويصبح الاعتماد على تقدير استخباراتي أحادي أضعف الآليات التي يمكن الركون إليه.
وطبقاً لذلك، يمكن تفسير الموقف الأمريكي الراهن بشأن العقوبات الناتجة عن الاتهام باستخدام أسلحة كيماوية بفرضيتين، ولكل منهما ما يسندها: الفرضية الأولى، هي فرضية إنفاذ المعيار، ومؤداها أن واشنطن توافرت لديها أدلة استخباراتية جدية، وأن اللجوء إلى المسار المؤسسي كان متعذراً عملياً، فالسودان دولة طرف في الاتفاقية لكنها في حالة حرب داخلية شاملة، وطلب تفتيش كان سيصطدم بالاعتبارات السياسية داخل مجلس المنظمة التنفيذي، وبمخاطر أمنية حقيقية على أي فريق تفتيش. وفق هذه القراءة، فإن الأداة الأحادية كانت البديل المتاح الوحيد أمام سلوك يستوجب رداً.
الفرضية الثانية، هي فرضية الإكراه التفاوضي، ومؤداها أن التحديد وما تلاه من عقوبات وظفا بوصفهما أداة ضغط ضمن مسار سياسي أوسع، يستهدف انتزاع قبول القيادة العسكرية السودانية بترتيبات هدنة إنسانية وبمسار انتقالي محدد المعالم. وفي هذه القراءة، لا يكون السؤال عن صحة الاتهام أصلاً، بل عن توقيته وعن الوظيفة التي يؤديها في لحظة بعينها.
الاختبار الحاسم بين الفرضيتين تجريبي بطبيعته: هل يكشف التسلسل الزمني ارتباطاً منتظماً بين محطات التصعيد العقابي ومحطات التفاوض؟. إن ثبت تزامن متكرر بين إعلانات العقوبات وجولات الضغط الدبلوماسي، فإن الفرضية الثانية تكتسب قوة تفسيرية.
وأياً كان الترجيح بين الفرضيتين، تبقى ملاحظة تصمد بمعزل عنهما وهى أن الانتقائية في آليات الإنفاذ تضعف المعيار الذي تدعي حمايته. والمقارنة مع الملف السوري دالة في هذا السياق. فمهما قيل عن قصور الاستجابة الدولية هناك، فإن المسار المؤسسي جرى تفعيله: بعثات لتقصي الحقائق، وآلية تحقيق مشتركة، ثم فريق تحقيق وتحديد هوية داخل المنظمة، وتقارير منشورة خضعت للنقاش والنقد. أما في الحالة السودانية، فقد جرى الانتقال مباشرة إلى العقوبة دون المرور بأي من ذلك.
هذا التفاوت هو ما يغذي القراءة السائدة في العواصم الأفريقية والعربية: أن المعيار يطبق بكثافة متفاوتة تبعاً لموقع الدولة المستهدفة من الحسابات الاستراتيجية للقوة المنفذة. وحين تترسخ هذه القراءة، فإن أثر الردع للمعيار يتآكل. فالدولة التي تعتقد أن العقوبة تلاحقها لموقعها السياسي لا لسلوكها، تفقد الحافز على تعديل السلوك، وتتجه بدلاً من ذلك إلى البحث عن حماية سياسية لدى أقطاب دولية منافسة.
وهذا بالضبط ما جرى. فالضغط العقابي دفع الخرطوم إلى تعميق ارتباطاتها بقوى خارج المنظومة الغربية، بما يقلل من فاعلية أدوات الضغط الأمريكية ذاتها. وهي مفارقة معروفة في أدبيات العقوبات: كلما اشتدت الأداة الأحادية، اتسع هامش المناورة أمام المستهدف عبر البدائل الدولية المتاحة.
الكلفة الأثقل في هذه المعادلات لن يتحملها أي من طرفي الصراع، بل تحملتها مسارات الوساطة الإقليمية. فالاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والمنظمات الإقليمية المعنية بنت مقارباتها للأزمة السودانية على مبدأ الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية. غير أن هذه المقاربة تفترض حداً أدنى من الاستقلالية التفاوضية. وحين يتحول الملف الإنساني إلى ساحة لأدوات ضغط أحادية تتجاوز الأطر الإقليمية، تفقد الوساطة الأفريقية جزءاً من رصيدها لدى الأطراف السودانية، وتبدو في نظر بعضها امتداداً لمسار خارجي لا بديلاً عنه.
النتيجة العملية أن الهدنة الإنسانية نفسها تسيست. فحين يقترن طرح الهدنة زمنياً بحزمة عقابية، يصبح قبولها في نظر الطرف المستهدف إقراراً ضمنياً بالاتهام واستسلاماً للضغط، لا استجابة لضرورة إنسانية. وبذلك تتحول أداة إنقاذ المدنيين إلى ورقة في مساومة سياسية، ويدفع الثمن من هم خارج الحساب أصلاً: الملايين النازحون، والمناطق المهددة بالمجاعة، والممرات الإنسانية المعطلة.
هذه القراءة تفرض ثلاث مقترحات مطلوبة: الأولى، أن مسألة الأسلحة الكيماوية في السودان تستحق تحقيقاً مؤسسياً مستقلاً برعاية منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، تدعمه الدول الأفريقية والعربية لا بوصفه إجراءاً عدائياً ضد الخرطوم، بل بوصفه المخرج الوحيد من ثنائية الاتهام والنفي. فإن كان الاتهام صحيحاً وجب توثيقه بما يصمد أمام التدقيق، وإن كان باطلاً فلا سبيل إلى دحضه سوى التحقق ذاته. والدولة التي تثق ببراءتها هي الأقدر على المطالبة بالتحقيق وهو ما وضح في موقف الخارجية السودانية وبيانها.
الثانية، أن فصل المسار الإنساني عن المسار العقابي شرط لإنقاذ الأول. فربط الهدنة بالضغط يحولها من التزام إنساني إلى تنازل سياسي، ويضمن رفضها. والتجربة الدولية تقول إن الهدنات التي صمدت هي تلك التي جرى التفاوض عليها بمعزل عن ملفات المساءلة، على أن تستأنف المساءلة بعدها لا قبلها.
الثالثة، أن على الفاعلين الإقليميين استعادة زمام الملف. فالدول المجاورة للسودان عبر البحر والبر هي الأكثر تضرراً من استمرار الحرب، والأكثر قدرة على الوصول إلى طرفيها، والأقل استفادة من إطالتها. غير أن استعادة الدور تقتضي موقفاً واضحاً من الأدوات الأحادية، لا تبنياً لروايات أي من الطرفين، بل إصراراً على أن يمر الإثبات عبر قنواته المؤسسية.
يبقى أن أخطر ما في القضية ليس ما إذا كانت أسلحة كيماوية قد استخدمت في السودان. الأخطر هو أنه بعد مرور عام من إعلان الاتهام ما زلنا عاجزين عن معرفة الإجابة. وهذا العجز في ذاته هو الإدانة الحقيقية لمنظومة أنشئت خصيصاً كي تجيب عن أسئلة من هذا النوع.











