
الخرطوم: أروى بابكر
في لحظةٍ مفصليةٍ يمتزج فيها عزمُ البناء بصلابة التحدي، عقدت الإدارة العامة للشرطة منبرها الدوري الرابع، لتضع بين يدي الرأي العام خارطة الطريق الاستراتيجية لعام 2026. لم يعد المرور في فلسفة الشرطة السودانية مجرد أداة لتنظيم حركة السير، بل بات ركيزةً محوريةً للتحول الرقمي وصمام أمانٍ يحمي الحقوق السيادية للمواطنين. وبينما لا تزال البلاد تلملم جراحها وتتعافى من آثار الحرب، كشفت الإدارة العامة للمرور، بقيادة اللواء شرطة حاتم محمود منصور، عن إنجازاتٍ مذهلة تمثلت في استعادة قاعدة بيانات تتجاوز المليوني مركبة، مع إنشاء مراكز بياناتٍ احتياطية داخل البلاد وخارجها. إن هذا الحراك المروري المتسارع، الذي يجمع بين التوسع الميداني في الولايات والرقمنة المتطورة، يعكس رؤيةً شاملةً تهدف إلى الوصول لمنظومة مرورية ذكية، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع أمن المجتمع، وتتكامل فيها جهود قوات الشرطة مع التطلعات الوطنية لبسط سيادة القانون وحفظ ممتلكات المواطنين في كل أرجاء البلاد.
استعادة البيانات: صونٌ للحقوق ومواجهة للتحديات
أكد اللواء منصور أن بوصلة المرور تتجه نحو الاستثمار في “العنصر البشري” وتطوير وسائل الرقابة، كاشفاً عن إنجاز استراتيجي تمثل في استعادة قاعدة البيانات الوطنية للمركبات في السودان، مع تعزيز أمن هذه البيانات عبر إنشاء مراكز احتياطية داخل البلاد وخارجها؛ الأمر الذي وضع حداً لحالة الضياع المعلوماتي وحصّن الحقوق السيادية للمواطنين.
أرقام تعكس التعافي والانتشار
استعرض العميد شرطة فيصل الرهيد، مدير الدائرة الفنية، لغة الأرقام التي تروي قصة التحدي ما بعد الحرب؛ حيث سجلت قاعدة البيانات الوطنية (2,124,750)مركبة، و (3,161,599)رخصة قيادة. وفي سجل الإنجازات النوعية، نجحت الإدارة في استعادة (9,058)مركبة مفقودة من أصل (68,312) بلاغاً تلقتها المنصة الإلكترونية، فضلاً عن تسجيل (76,243) مركبة جديدة وتجديد تراخيص (841,907) مركبة أخرى.
وعلى صعيد التوسع الجغرافي، كشف الرهيد عن تغطية (63) مركز ترخيص، مع استحداث (9) مراكز جديدة، وتخصيص (3)نوافذ لخدمة مواطني الولايات المتأثرة بالحرب في أم القرى، والربك، ورئاسة الإدارة بسوبا.
“سالم” و”إنساب”: بوابات العبور نحو الرقمية
تجاوز الطموح حدود الداخل؛ إذ تمددت منصة “سالم” لتجديد رخص القيادة الإلكترونية للمغتربين لتشمل (16) دولة بعد أن بدأت بست دول، مع خطط طموحة لتعميم التجربة داخل البلاد. وفي سياق حماية الملكية، كشف العميد الرهيد عن ابتكار منصة “إنساب” الموجهة للمحامين، والتي تستخدم تقنيات الليزر والحضور الشخصي لضمان حماية الممتلكات ومنع التزوير في عمليات نقل الملكية.
الرقابة الذكية والانتشار الميداني
وفي مسار “المرور السريع”، أوضح اللواء شرطة حامد مجذوب أن النظام ربط (800) باص سفري بغرفة تحكم مركزية، مقيداً سرعتها بـ (90) كلم/ساعة لضمان سلامة الأرواح، مع الإعلان عن خطط لتوظيف الطائرات المسيرة (الدرون) والرادار الوطني في الرقابة على الطرق القومية.
من جانبه، أشار اللواء شرطة أيوب عبد الرحيم، مدير مرور ولاية الخرطوم، إلى تفعيل (20)كاميرا مراقبة حديثة، وإعادة تشغيل (8)مراكز ترخيص بالعاصمة، مع التأكيد على حوسبة الملفات الإدارية وصيانة (27) إشارة ضوئية، مؤكداً أن “هيكلة العمل” أثمرت عن ضبط (63) مركبة مسروقة وتفكيك شبكات تزوير محترفة.
تكامل الأدوار: المرور كحائط صد أمني
أشاد وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، بالدور المزدوج لشرطة المرور التي أصبحت ركيزة أمنية وجنائية لا تقتصر على تنظيم السير، واصفاً انتشار القوات بـ”النموذجي”. وفي ذات الوقت، حذر الوزير من “مظاهر الفوضى” التي تقودها مركبات مظللة ليلاً، موجهاً بتشديد الرقابة. كما أقرّ بالتحديات التي تواجه البنية التحتية، عازياً تعثر صيانة الطرق لإحجام المقاولين عن توريد مادة “البيتومين” بسبب تقلبات أسعار الصرف، مؤكداً على التنسيق المشترك لتجاوز هذه العقبات.
فلسفة البناء الإنساني
وفي سياق تعزيز الكفاءة المهنية، أوضح مدير الشؤون العامة، معتز الكديو، تنفيذ (150) دورة تدريبية استهدفت (536) ضابطاً و (2,621) فرداً، ركزت على مفاهيم “السلامة المرورية” قبل “تحصيل المال”، بينما أكد العميد شرطة فتح الرحمن التوم، الناطق الرسمي باسم الشرطة، أن المؤسسة الشرطية تظل حاضرة في كل ميادين “معركة الكرامة”، تذود عن أمن المدن وتدعم الجهاز القضائي.
اختتم المنبر اللواء شرطة قاسم أمين، مدير إدارة التدريب، بالتأكيد على أن الشرطة تتبنى معايير رقابية صارمة، داعياً الإعلام الوطني إلى التسلح بالموضوعية، ومجدداً العهد بأن تظل أبواب المؤسسة مشرعة لاستقبال مظالم المواطنين تكريساً لسيادة القانون.











