الأخبار

شهادة “أم كلثوم” الخالدة تحاصر منصات الإثارة.. وعي القاهرة ينتصر للمرأة السودانية وتاريخ وادي النيل

​القاهرة ــ عزة برس

​في الوقت الذي تداعت فيه منصات التواصل الاجتماعي تحت وطأة موجة غضب عارمة فجّرها فيديو “مسيء وعنصري” لامرأة مصرية هاجمت فيه الوجود السوداني، تحركت النخبة الفكرية والقانونية في القاهرة بسرعة لقطع الطريق أمام محاولات تسميم العلاقات بين شعبي وادي النيل. هذا التحرك قادته الدكتورة أماني الطويل، الخبيرة والمستشارة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والتي تقدمت ببلاغ إلى وزارة الداخلية المصرية (مباحث الإنترنت)، مطالبة بمحاسبة صاحبة الفيديو بتهم السب والقذف وممارسة التمييز والعنصرية، مؤكدة أن القانون المصري يقف بالمرصاد لخطابات الكراهية، فضلا عن استهجان عدد كبير من الشباب والسادة المصريين وقد استشهد بعصهم بتسجيل لأم في نهاية السنينيات على شاشة تلفزيون السودان القومي.

&دفاتر التأريخ الإنساني

​لكن هذه الواقعة، وبقدر ما حملته من قبح ومرارة، أعادت فتح دفاتر التاريخ الإنساني المشترك، لتضع الوعي العام أمام مفارقة حادة ومقاربة وجدانية تفصل بين “مصر الحقيقية وثقلها القومي” وبين “ظواهر عابرة تلهث خلف الشهرة الزائفة”.
​مفارقة المشهد: من منصة “كوكب الشرق” إلى قاع “التيك توك”
​لعل المقارنة بين ما حملته ذاكرة التلفزيون السوداني عام 1968، وبين ما تبثه بعض الحسابات في عام 2026، تختصر حكاية الانحدار من “عصر الفن والوعي الدبلوماسي” إلى “عصر التريند والابتذال الإلكتروني”.

&​حشمة ونظافة.. شهادة أم كلثوم الخالدة

حين زارت سيدة الغناء العربي وأيقونة الفن والموقف القومي، السيدة أم كلثوم، الخرطوم في أواخر الستينيات لدعم المجهود الحربي العربي، لم تكن مجرد مغنية، بل كانت “سفيرة فوق العادة” للوجدان المصري. وفي مقابلتها التلفزيونية الشهيرة، وقفت أم كلثوم بإجلال لتتحدث عن المرأة السودانية، واصفة إياها بـ “منتهى الجمال والوقار والذكاء”، وأثنت على “حشمتها ونظافتها الشديدة في مظهرها وبيتها”، معتبرة الثوب السوداني (التوب) رمزاً للأصالة، ومؤكدة أن الست السودانية “نموذج يُشرف المرأة العربية والأفريقية”. تلك الكلمات لم تكن مجاملة عابرة، بل كانت انعكاساً لنظرة الدولة والمجتمع المصريين لتوأم الروح في جنوب الوادي.

&​بذاءة الابتذال.. غثيان خطابات الكراهية

في المقابل، تطل امرأة عبر هاتفها المحمول، مجردة من أي قيمة معرفية أو ثقل ثقافي، لتنفث خطاباً عنصرياً متخلفاً، مستخدمة مفردات تعود إلى عصور الجهل والجاهلية؛ واصفة السودانيين بعبارات مسيئة كـ “العبيد”، وناعتة النساء بـ “الغوريلات”، في محاولة رخيصة لتحقيق مشاهدات على حساب كرامة ملايين العائلات التي ألجأتها ظروف الحرب القاسية إلى الشقيقة مصر.

&​بين الوعي الاستراتيجي.. والضوضاء العابرة

​إن المقاربة الحقيقية في هذا المشهد لا تكمن في المقارنة بين شخصين، بل في المقارنة بين “منطقين”:
​منطق الوعي والتاريخ (يمثله بلاغ أماني الطويل وإرث أم كلثوم): وهو المنطق الذي يرى في السودان عمقاً استراتيجياً وأخوياً لمصر، يتقاسم معه النيل، والتاريخ، والمصير. هذا المنطق يدرك أن أزمات الحروب هي اختبارات للمروءة والشهامة، وأن حماية الضيف السوداني في مصر ليست منّة، بل هي واجب تفرضه أواصر الدم، ويحميه القانون المصري الذي يجرّم التمييز.

&​منطق الفوضى والجهل (وتمثله صاحبة الفيديو)

وهو منطق لا يمثل مصر الرسمية ولا الشعبية، بل يعبر عن فئة معزولة أفرزتها عشوائيات السوشيال ميديا، تبحث عن بقعة ضوء عبر صناعة الأزمات والفتن، مستغلة الظروف الاقتصادية العامة لتوجيه اللوم نحو “الحلقة الأضعف” وهم اللاجئون والفارّون من جحيم الحرب.

&​غضب سوداني.. وتضامن مصري حاسم

تحرك الدكتورة أماني الطويل ومطالبتها بالمحاسبة الى جانب آخرين لم يكن مجرد إجراء قضائي، بل كان رسالة طمأنة واعتذار عملية للشعب السوداني، وتأكيداً على أن الصوت الأعلى في مصر سيبقى دائماً لصوت الحق والمسؤولية.
​وقد قوبل هذا البلاغ وتلكم الهبة الشعبية من أبناء مصر نحو اشقائهم بارتياح واسع بين النشطاء السودانيين والمصريين على حد سواء، والذين تباروا في نشر مقاطع أم كلثوم التاريخية، وصور التعايش اليومي في أحياء القاهرة، لإثبات أن “دحر خطابات الكراهية هي مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق الجميع”.

& الجسر الثابت

ستذهب الفيديوهات المسيئة وأصحابها إلى سلة مهملات التاريخ أو خلف قضبان المحاسبة القانونية، وتظل كلمات أم كلثوم، ومواقف النخب المصرية الواعية، هي الجسر الثابت الذي يعبر فوقه شعبي وادي النيل نحو المستقبل، متمسكين بمقولة السيدة أم كلثوم ذاتها: “السودان بلد الخير والطيبة.. وأنا في بيتي وبين أهلي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *