
“من المسافة صفر” مؤلف للدكتورة سلوى حسن صديق، سكبت فيه عصارة وجدانها، فجاءت كلماته تقطر دمًا ودموعًا. مجموعة قصصية يخال إليك وأنت تطالعها كأنما تقرأ لأبرز الأدباء من أمثال نجيب محفوظ رائد الرواية العربية، ومحمود درويش، وغسان كنفاني، والطيب صالح وغيرهم من كتّاب القصة والرواية.
غير أن الفارق بين هؤلاء وبين الكاتبة، أن قصصها واقعية خالصة، بينما مزج أولئك بين الواقع والخيال واستدعاء التاريخ. تلك الروايات التي كنا نلتهمها بنهم، ونطوي صفحات إحداها لنبحث عن أخرى دون كلل أو ملل، قبل أن تتغوّل التكنولوجيا والتحول الرقمي وتطمس متعة القراءة التي كانت تغذي العقول وتنمّي ملكة الافتراض والتخيّل.
ومع ذلك، وأنت تطالع كتيب “من المسافة صفر”، تجد نفسك وقد أسرجتُ خيالك حتى تكاد ترى المآسي التي حواها المؤلف رأي العين. ترى تلك الطفلة التي، ومن شدة جزع أمها وعجلتها وهي تجاهد للحاق بركب النساء اللائي أطلقن لسِيقانهن العنان خوفًا من ملاحقة الأوباش لهن في بوادي الجزيرة وفرقانها، حملت الأم الحقيبة بدلًا عن طفلتها، وتركتها خلفها في منتصف الطريق دون أن تنتبه إلا بعد فوات الأوان، حين أصبح تدارك الموقف مستحيلًا.
وكذلك تكاد ترى ذلك الأب الذي اضطر، خوفًا من مصير قاسٍ ينتظر ابنته بين أيدي الأوغاد الذين جروها عنوة من ببنهم وهو عاجز، اضطر ان يعتلى مقود الحافلة ، خلال رحلة فرارهم صوب إحدى المدن ويدهسهم جميعا وبينهم فلذة كبده. وغيرها الكثير من القصص التي حملها المؤلف، وهي غيض من فيض المآسي العظيمة التي تجرّعها السواد الأعظم من السودانيين الذين وقعوا فريسة في أيدي وحوش لا تعرف الرحمة.
وكثيرًا ما نتساءل اليوم: كيف يعيش هؤلاء الآن بعد أن سُلب منهم الأمن والعِرض والنفس بأبشع الصور؟ كيف تعيش تلك الأم التي نسيت رضيعها في الطريق؟ وكيف حال من اغتُصبت أمام ناظري والديها؟ وكيف يعيش أولئك الذين أُفرغ الرصاص في أجساد ذويهم وهم شهود على ذلك؟ وتلك الأسرة التي قتل أفراد المليشيا والدهم المقعد بعدما ظنت الأم وبناتها خيرًا فيهم، وطلبوا مساعدتهم في حمله، فأطلقوا عليه الرصاص بدم بارد، مدّعين أنها “رحمة”، حتى يتمكنوا من التحرك بحرية.
حوى مؤلف الأكاديمية والكاتبة الدكتورة سلوى “من المسافة صفر” ثلاثين قصة، تجسد كل واحدة منها واقعًا مريرًا عاشته أرواح وأجساد ووجدان أغلب الأسر السودانية التي لم تسلم من أذى الحرب وانتهاكات المليشيا، بما حملته من قسوة وتجرد من الإنسانية.
ولذلك، وبرأيي، فإن فقدان الأثاث والمنازل — رغم ما تحويه من ذكريات ومقتنيات جُمعت بجهد وصبر السنين — يظل أهون وطأة من فقد النفس أو التعرض للأذى في الأبناء. فكلنا، كلما اشتد بنا وجع فقد المنازل والممتلكات، نسارع لتحسس أبنائنا ونحمد الله على نجاتهم، فكل شيء مقدر ومكتوب، والله وحده الرازق والقادر على كل شيء.
إن ما وثقته الدكتورة سلوى يجب أن يحظى باهتمام الجهات المعنية، وأن يُجمع مع شهادات ووثائق كل من أرّخوا لانتهاكات الحرب، ليصبح موسوعة موثقة بكل اللغات، يطّلع عليها العالم والأجيال القادمة، لأن التاريخ لا يموت.










