همس الحروف.. السارق معلوم ، والبلاغ ضد مجهول ، فأين الدولة ؟ صرخة في وادي الصمت بقلم: د. الباقر عبد القيوم علي

في هذه الحرب خسرنا بيوتنا وأمننا ، وأماننا ، وخُلع منا حقنا عنوة ، وأغلبنا فقد سيارته ، ومن لم يفقدها وجدها لاحقاً عبارة عن هيكل حديدي خاوي من كل شيء ، كأنها جثة نُهبت أعضاؤها ثم أُلقي بها في الشارع .
السؤال الجوهري من هو الذي سرق سياراتنا ؟ ولكن السؤال الفاضح هو أين ذهبت محتوياتها ؟؟؟ .
نحن نعلم ما أخذته المليشيا معلوم المسار ، وذهبت به إلى حواضنها ، ولكن ماذا عن آلاف السيارات التي وُجدت في الشوارع ، وفي الميادين ، وفي أماكن الحجز الرسمية عبارة عن هياكل ؟ .. لماذا كانت كلها بلا محركات ، وبلا قير ، وبلا كراسي ، وبلا حتى أسلاك ؟؟؟ .
في منطقة الكونيكا بالخرطوم ، وفي أماكن أخرى معروفة في بقية محليات العاصمة ، هنالك أسواق مفتوحة ، ليست في الظلام ، ولا في الخفاء ، سوق تُباع فيه أجزاء سياراتنا التي جزرت قطعة قطعة و(عينك يا تاجر) .
بعض قطع الغيار سعرها الحقيقي في المحلات التجارية المعلومة يتجاوز مليوني جنيه ، ولكن وبكل أسف تُعرض في الكونيكا بعشرين أو ثلاثين جنيهاً فقط .
تباع بهذا السعر البخس ليس لأنها رخيصة … ويكفيك الجواب من عنوانه .. ذلك لأنها مسروقة من شعب أعزل ، ليس له حماية ، وكل هذا يحدث أمام مرأى ومسمع الجميع .
والمفارقة التي لا تحتاج إلى عبقرية لفهمها ، هنالك مركز للمباحث على بعد أمتار من الكونيكا ، فماذا يعني هذا ؟ ، فمن المعلوم بالضرورة أن هذا المجزر يُدار والأجهزة الأمنية تعلم بذلك ، وهذا يعني أن الجريمة ليست ضد القانون ، لأن هذا الفعل الذي يجري بهذه الطمأنينة المطلقة يجعلها تحت مظلته .
ومع ذلك حين نذهب لفتح بلاغ ، يتم تقيده ضد مجهول … وأي مجهول هذا؟ ، ونحن نرى السارق يتحرك بحرية بيننا ، ويبيع ، ويشتري ، ويضحك ، وأغراضنا تباع أمام أعيننا ؟ .
أي دولة هذه التي ترى الجريمة مكتملة الأركان ، ثم تتظاهر بالعمى؟ ، نحن نعلم أن دولتنا من فقرها الشديد لا تمتلك ثقافة الإعتذار ، ولا ثقافة التعويض ، و لو كان لها تقييم حقيقي لمواطنها بحجم الكارثة التي حصلت لنا ، وكان لها إحساس ولو بسيط بما أصابنا ، لعوضت الشعب تعويض مبدئي عندما إحتاج بعضنا لأستخراج أوارقه الثبوتية ، فكان من الواجب عليها أن يكون (بالمجان) ، وذلك لأن هذا الشعب العظيم ليس له يد في فقدانها .
الدولة التي لا تعتذر ، ولا تعوض ، ولا تحقق في الجريمة ، ولا تحاسب ، هي دولة (…..) ، ونحن نقول تحفظاً دولة مشغولة أو متشاغلة ، ولذلك لا نطالبها بشيء مستحيل ، فقط نطالب بأبسط تعريف (للدولة) ، ونريد حمايتنا ، وحفظ حقوقنا ، فمن واجبات الدولة حماية شعبها ، وخصوصاً هذا الشعب المعلم الذي ساندها في كل شيء .
ما يحدث في مجزر الكونيكا للسيارات والأسواق الشبيهة له على إمتداد العاصمة يعتبر في أبسط تعريف له ، تواطؤ مع من يسرقنا ، فماذا نفعل؟ ، وأين نذهب؟ ، ولمن نشتكي ؟ .
تخيلوا معي ، المجزر محروس ، والبلاغ ضد مجهول ؟ ، ونحن ننادي بأعلى أصواتنا لنسأل ، وهذا النداء ليس نداء شفقة ، ولكنه يمثل سؤال إدانة ، نحن في مطب صعب ، وأصبحنا اليوم لا نعرف من معنا ومن ضدنا ، وأخطر ما في الأمر ليس هو سرقة سياراتنا … نحن في قلق شديد لأن هنالك محاولات تجرى لسرقة إحساسنا بالعدل ، وتعويدنا على الصمت ، وكأن ما يحدث قدر لا جريمة .
ولكننا نعرف ، ونرى ، ولا بد أن نسمي الأشياء بأسمائها ، فإذا الدولة تراخت في حفظ حقنا ، وهي تعلم علم اليقين باللص الذي سرقنا ولم تمسه ، فهذا يعني (على الدنيا السلام) ، والتاريخ علمنا أن الدول لا تسقط بالحروب وحدها ، وإنما بفقد الوازع الأخلاقي تندثر تماماً عن الوجود .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل











