الأخبار

الصوت الأخير من الخرطوم.. حينما استيقظ القائد تحت النار وعاد في صمتٍ لا يليق بالأبطال

توثيق:طيران بلدنا

في صبيحة 15 أبريل 2023، لم تكن العاصمة السوانية على موعد مع شروق شمس جديدة.. في مطار الخرطوم، حيث كان مركز المراقبة الجوية يُدير المجال الجوي السوداني، كانت اللحظة فارقة، والموت على بعد خطوات، والخطر ليس في السماء بل على الأبواب.

وهناك، في وحدة “الاقتراب”، وقف محمد طه الصادق، أحد أبناء المراقبة الجوية البررة، أمام امتحان لم يكن في أي كتيب تدريبي: أن تؤدي واجبك المهني فيما بندقية موجهة إلى خاصرتك.

نداء النجاة في قلب الخطر

حين اشتعلت الاشتباكات، ظهرت على راديو الاتصال طائرة سعودية جاثية على أرض المطار، ركابها بداخلها لا يعلمون ما يحدث، ينتظرون الإقلاع في وقت صار فيه الإقلاع انتحارًا.

في تلك اللحظة، ووسط صراخ المسلحين، أمسك محمد بجهاز الاتصال وقال للطائرة:“افتحوا الشووت فورًا… أنزلوا كل الركاب.”.. كانت تلك الجملة كفيلة بإنقاذ أرواح العشرات.

ثم حمل جهاز الاتصال البعيد المدى، وبعث برسالة للمراكز المجاورة:

“من مركز الخرطوم… المجال الجوي السوداني مغلق حتى إشعار آخر.”
“المراقب المناوب: محمد طه الصادق.”

كان ذلك آخر صوت يُسمع من الخرطوم قبل أن يغرق الأثير في الصمت.

الأسير الذي قاد رفاقه داخل الحصار

لعدة أيام، ظل محمد ورفاقه محاصرين داخل مركز المراقبة الجوية، لا كهرباء، لا ماء، لا طعام، بينما هم صائمون في رمضان، تتساقط الرصاصات حولهم، ويهددهم القنص من كل اتجاه.

في تلك الأيام العصيبة، كان محمد هو القائد غير المعلَن.
تولى المفاوضات مع القوة المسيطرة، خرج أكثر من مرة وسط زخات الرصاص ليجلب الطعام لزملائه، هدّأ الخواطر، ورفع المعنويات، وتحمّل مسؤولية معنوية وجسدية هائلة.

العودة… بصمت موجع

وبعد الإفراج عنهم، خرج محمد إلى حيث أسرته، سالمًا جسدًا… لكن مثقلًا بالغصّة.

فلا أحد من قيادات الطيران المدني كلّف نفسه أن يتصل، أن يسأل، أن يقول “الحمد لله على السلامة”، أو حتى “شكرًا” — كلمة بسيطة، لكنها واجبة.

عاد محمد إلى بيته، وهو يعلم أنه أدى ما لا يستطيع كثيرون أن يؤدوه. لكنه عاد أيضًا وهو يعلم أن بعض القيم قد غابت، وأن المؤسسة التي نذر نفسه لخدمتها لم تجد في بطولته ما يستحق الذكر، أو حتى التقدير.

ليس وحده… بل واحد من كثيرين

محمد طه ليس استثناءً، بل صورة من معدن الرجال الذي صيغ منه الكثيرون في الطيران المدني السوداني. رجال يعملون في الظل، ويقفون في الخطوط الأمامية بلا سلاح، لكنهم يحمون الأرواح والمجال والمهنية بصمت، ويُتركون بعدها للنسيان.

رسالة إلى الوطن: لا تتركوا الأبطال يمضون بصمت

هذه القصة ليست فقط للتوثيق، بل للتذكير:
أن في هذه البلاد رجالًا، يضعون الوطن وسلامة الناس فوق أنفسهم، وأن واجبنا أن نرفعهم، لا أن نصمت عنهم.

فهل يسمع أحد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *