وأنت تتلفّت عند أبواب المساجد لتجمع بين رأسي جزمتك في الحلال، قد يسألك رفيقك: “مركُوبي ما وقع في عينك”؟
قبل الإجابة، وغض النظر عن كيف تحتمل حدقة عينك مركوباً من مقاس (45)، عليك أولاً أن تعرف طراز المركوب المطلوب العثور عليه، من بين بعض أسماء أحذية السودانيين على مرّ العصور:
الجزمة، كمُوش، زيزي، الشحّاطة، الشدّة، الشلّوت، القمر بوبا، البـرطُوش، النِعلات، الكـَرْكَـب، الكبَك، الكدّارة، السفـنـجة، تـموت تـخـلّي، حاجّة كافرة، زنّوبة، أبو شنق، باتا. المركـوب: كلودو، أبو أضينة، النمر، الفاشري، الجنينة، الجزيرة أبا، التمساح، التيس، الورل، الأصلة، الثعبان، الكديس، الأرنب. الصنـدل، البوت، الحدُوقة، القبقاب – وهو ناشف جداً ماتت تحت طرقاته شجرة الدر. الشقيانة، شبشب لاركو ودكتور شول، الـ “سيُورو معقمة بالديتول” كما جاء في المنولوج الشهير!
للأحذية، وإن شئت (الجِزم)، تأريخٌ طويلٌ من البساطة والتعقيد، ومن الراحة والضيق. وخصّص الأدب العربي نصيباً وافراً للأحذية من الإبداع، ونال لصوص (الجِزم) حظّهم من الضرب بشِعر الرثاء ممّن فقد (زوجاً) عزيزاً أو (فردة) عند أبواب المساجد أو أماكن الزحمة التي لا ترحم الأحذية.
قال محجوب شريف: “صحيت بالمؤذّن وحالتك تحزّن/ مَرَقت وسرقت الوبال/ حليلك بتسرق سفنجة وملاية/ وغيرك بيسرق خروف السماية”.
رفع بعضهم أحذيتهم إلى السماء، وحطّ بها آخرين إلى ما دون الأقدام الحافية. ورثاها من كانت عزيزة لديه، وشتمها من رآها وضيعة. ففي مجال القصة، كتب السعودي عبدالله الناصر: (سيرة نعل): والسوري باسم عبده: (فردة حذاء). والشاعر الياس فرحات: (الحذاء الأحمر) والفرنسي بول كلوديك: (حذاء الحرير): وحطّ بها نزار قباني، وهو يقول: “إذا أصبح المفكر بُوقاً/ يستوي الفكر عندها والحذاء”.
وفي رثاء الأحذية، فقد الكاتب المصري أنيس منصور جزمته في المسجد الأقصى، ولم يفلح في العثور عليها وسط مئات الأحذية والشباشب التي تناثرت في كل مكان، فسخر منه الشيخ الباقوري، بقوله: “يسير كظيم الغيظ مُحتشم الخُطى/ بغير حذاءٍ يزرع الأرض ماشيا”.
وقريباً من (نشلة) أنيس منصور، فقد المرشح الأسبق لمنصب الأمين للجامعة العربية، الدكتور مصطفى الفقيه، حذائه في مسجد، فكتب شاعر على لسانه: “سرقوك يا أرقى حذاء/ لأعيش بعدك في شقاء/ سأظل بعدك حافياً/ فأنا الوفي أبو الوفاء/ أو قد أسير بـ (شبشب)/ لا أقتني أبداً حذاء”.
ولأنها جزمة (الفقيه)، وليس رجلاً من غمار الناس، شارك آخر في رثاء الجزمة، قال: “حذاؤك في الورى نِعم الحذاء/ حذاؤك في الربيع يفوح عطراً/ شذاه معبّق منه الفضاء/ مُصاب الناس في نعليك داجٍ/ عيونِهمُ يرى فيها البكاء”.
ومن كتب التراث العربي، وجدت بخيلاً يرثي جزمته العتيقة: “أراك فتحت ثغراً يا حذائي/ وأخرجت اللّسان بلا حياء/ إذا ما سرتُ ألقى منك نوحاً/ كثكلى لا تكفّ عن البكاء/ وأعلنت التمرد بعد عُمرٍ/ فقدت اللّون فيه من الشقاء/ فقدتك يا فداك أبي وأمي/ وزوجي والعيال ومن ورائي”.
وأطرف ما مر علي في الوسائط كتاب الاطفال (ملح في حذائه ) لمؤلفته ديلوريس جوردون Deloris Jordan والدة لاعب كرة السلة الاشهر مايكل جوردون والذي يحكي عن قصة حلم تحقق ، قصة لا يستطيع ان يوفيها حقها الا فرد من الاسرة فكانت امه ديلوريس هي صاحبة هذا الحق الحصري المستحق و يعلم الجميع ان الحذاء ماركة جوردون هو الاغلى سعراً و الاقبم والاشهر في العلامات التجارية للاحذية الرياضية . .
في واحدة من أسفاري بأركان الدنيا – وقال عنها أحد الفلاسفة: “ما فائدة الدنيا الواسعة لو كان حذائك ضيقاً – صادفت في دولة آسيوية، بائعة تصرّ على دعوتي لمتجرها الذي تتراص على واجهته العشرات من الأحذية، وقادتني إلى ماكينة غريبة الهيئة.
قالت البائعة، إن تلك الماكينة حين يقف عليها الزبون، تحدّد له بدقة شديدة، مقاس الحذاء الذي يناسبه وترسم له درجات الانحراف والتباين بين القدمين وأوزان كتلة الجسم و(المشية ذاتا وقدلتو). شرحت الآنسة وأسرفت في الشرح، وكنت وقتها قد فتحت بوّابات ذكرياتي لتتدفّق منها الأحذية. وسرح خاطري بعيداً مع (تموت تخليهو).
حاجّة كافرة، أو تموت تخلّي، كان موضة في سبعينيّات القرن الماضي، ينتعله الشباب بأشكاله المختلفة وتصميماته البسيطة على أيدي عُمال مهرة، يصنعونه من أنابيب وإطارات السيارات القديمة، وتترك أثراً على الأرض كما تفعل لساتك السيارات، وانت وحظّك قد تنتعل لستك تراكتور وتتهادى بين الزرع، أو تتوقف فجأة وأنت تسير في بلاط أملس وتحدث صريراً تنطلق منه روائح الكاوتش، لأن تاريخ (التموت تخلّي) الذي تنتعله، جاء من سيارة تفحيط رياضية.
وحذاء (الشدّة) البلاستيكي الخفيف الذي كان شائعاً في السودان ويُسهل به الحركة في الصحاري والجبال، له جذرٌ ضاربٌ في الثقافة الإريترية. ربما لأنه كان لصيقاً بالثوار، حتى أنهم صنعوا لـ(الشدّة) تمثالاً في أسمرا لتذكيرهم بأيام النضال. و(الشدّة) نفسها، يسميها المغاربة: “حلّومة”.
و(الشقيانة)، كانت هي الأخرى ذائعة الصيت عند البدو، يقطعون بها وهاد السودان وجباله، دع عنك (المراكيب) التي (صُنعت خصيصاً للسودان)، رغم أنف حملة العبارة الشهيرة التي كان يختم بها البروفيسور محمد عبد الله الريّح مقالاته المنوّعة: “دلّل على وعيك البيئي، فلا تستعمل أو تهدى أي شئ مصنوع من جلد النمر أو الأصلة أو التمساح، لأن الحياة لنا ولسوانا”.
ومن ألطف ما علق في ذاكرتي عن الأحذية الضيّقة، حذاء عادل إمام الذي ضاق عليه في (شاهد ما شافش حاجة)، وجعله (يعيّط) أثناء حضوره عرضاً سينمائياً. وعندما نصحه عمر الحريري أن يصطحب معه (واحدة) عند ذهابه للسينما مرّة أخرى، كان رد عادل إمام المُوغل في البراءة: (يعني جزمة تانية)؟
وحين غزت جيوش (الكعب العالي) السودان، أصابت الكثيرات في مقتل وهاجت من مشيهنّ الغضاريف، فيما نجحت أخريات في احتراف انتعالها وصارت الواحدة منهنّ “تمشي قدم قدم في المشية ريلة”.
ولأن سيرة الأحذية، أكبر من أن تحيطها مقالة واحدة، سأتوقف عند (هواية) الممثل المصري حسين فهمي، فقد علق بذاكرتي ما قرأته قديماً من حوار معه، عن أن هوايته الأثيرة هي (تلميع الجزم) منذ صغره، وإنه ينفق الكثير من الوقت وهو يلمّع أحذية أولاده، وإن أول هدية من ولده، كانت عبارة عن دهان للحذاء (ورنيش).
ولأن المقام مقام (تلميع) للجزمة، سأختم بسيرة أصغر وأجمل وألطف بنات أخواتي – وكلّهن لطيفات وجميلات – ونسمّيها (الجزمة)!
ما كان يرمش لنا جفنٌ ونحن نناديها (الجزمة)، وهي سعيدة بلقبها غير المسبوق، منذ مهرجانات أيّام الجُمعة العائلية في البيت الكبير، واجتماع الأسرة المُمتدة فيه، وجمال اللّقيا بمسافر عاد من غربةٍ وشوق، أو وداع طالبٍ “حقايب سفرو تُقال.. من جنس كتاب ومجلة”.
كانت بنت أختي تلهو وتمرح بيننا في الحوش الكبير، وتستجيب في براءة لمن يناديها بـ (الجزمة). هي سعيدة به، ونحن لا نمل مناداتها بها، حتّى شبّت عن الطوق بلقب جزمتها البديعة، ولكن..
إنها (الكزمة) سيدي القاريء، وليست (الجزمة)!
الصبيّة وهي زهرة تتفتّح، كانت تلهو وتلعب وتنشد: “لمّن كنت صغيْرة/ بلعب بالتراب/ ماما لبّستني (الكزمة) والشراب”.
تنطقها (الكزمة)، لأنها كانت في طفولتها لثغاء، من (ألثغ)، وهو من يتحوّل لسانه من حرفٍ إلى حرف آخر، كجعل السّين ثاءً والرّاءُ غيناً والجيم كافاً كما في حالة ابنة أختي الحبيبة التي خرجت من محاولات ترديدها النشيد العصّي على لسانها بلقب (الكزمة)!
التصق بها لقب (الكزمة) مثل ظلها، وردّده الأهل والجيران وأصدقاء الأسرة، وما عرفوا أن أصله: (جزمة)، ومنبعه نشيد رياض الأطفال الأزلي.
التحية لـ (الكزمة)، وهي تواظب على إحياء سُنّة (اللمّة الكبيرة) في الحوش الكبير بعروس الرمال أيام الجمعة. وتطلق أطفالها من الزهرات والفرسان الذين يملأون البيت حبوراً ويأنسون (رمال حلتنا)، وربما جلست الكزمة القرفصاء تنشد مع واحد من فرسانها الصغار وهو يلعب بالتراب: “ماما لبّستني (الكزمة) والشراب”.









