المقالات

رؤى.. واصلة عباس تكتب : للخرطوم صاحب يا دقلو

لم أكن يوما من دعاة القبلية ولا أميل لها ويقيني أن *(كل أجزاءه لنا وطن)* وكل أبناءه إخوة لنا ، لهذا لم أستشعر يوما ما بغربة في أي ديار حططت فيها رحالي ودوما تثيرني رائعة الشاعر الفذ يوسف التني
نحن للقومية النبيلة
مابندور عصيبة القبيلة
تربي فينا ضغائن وبيلة
تزيد مصائب الوطن العزيز..

لهذا كانت تضاريس السودان وهضابه ومنخفضاته تعضد في داخلي تلك القناعة وتزيدني إيمانا *(أن الكل من آدم وآدم من تراب).* ولهذا لم ينتابني يوما ما في تسفاري وتجوالي في محطات الوطن الكبيرة أي شعور سوي أنني أبنة هذا الوطن وإبنة تربال فلح الآرض وغرس فيها حتي تجذرت ، تستفزني عبارة *(ماشين البلد)* وتنتابني عبرها لحظات الحزن حينما أري رفقائي وجيراني في العطلات والمناسبات يهمون بالعودة الي مراتع صباهم والي ديارهم وأظل أنتظر حكايتهم وماحدث فيها وكيف وجدوا الأهل والديار؟ أما أنا فلم يكن لدي ما أضيفه في غيابهم لأحكيه لهم سوي أغنية *(نحن يانا نحن تلقونا يانا نحن )* ، حتي محطات السفر لاعلم لنا بمكانها وترهقنا المشاوير الطويلة وينتابنا القلق إذا هم أحدنا بالسفر داخل الوطن حيث يظل محور حوارنا ومبلغ همنا حتي يعود لنبدأ رحلة الإستماع للتفاصيل الدقيقة للرحلة في إنبهار واضح وحرص تام ،، رغم إستقرارنا التام إلا أننا نبكي عندما نستمع الي *(رصوا الهديمات عدلوا وركبوا اللواري وقبلوا).*
وكثيرا ما كنت أتسائل لماذا ليست لنا ديار آخري غير التي نحن فيها ؟ هل يعلم دقلو وغيره أن ديارنا ليست بها حقائب للسفر والرحيل؟ ، وأن أمهاتنا لايعرفن *(صناعة زوادة المسافر)*، وأنهن لم ينتظرن يوما ما أن تأتيهم خيرات البلد في المواسم..؟ ، ولم يشرعن في إرسال خيراتنا لهم ؟، هل يدرك دقلو أن ليس لنا ورث في أي بقعة غير الخرطوم ؟ وهل يدرك أن أهلنا لم يحملوا هم السفر للمشاركة في مناسبات البلد السعيدة والحزينة ؟
ماجري علي لسان السيد عبدالرحيم دقلو نائب قائد قوات الدعم السريع هو تأكيد علي أنه غير ملم بالتاريخ وليس لديه سابق معرفة بماهي الخرطوم وماهي مكوناتها ؟ وعباراته ان الخرطوم *(ماحقت زول ؟)* عبارة تحمل بين طياتها محاولة لطمس معالم تاريخية ، وإنكار لحقائق لاتعرف شمسها الغياب وستظل تسطع بالضياء في كل اللحظات ، كل مصنوع لابد له من صانع ؟ وكل مخلوق له خالق ؟ وحتي المولود الغير شرعي له والدين وإن تنكرا له لهذا حريا بكل ناطق لهذه العبارة أن يدرك تماما

*(أن لخرطوم بأهلها بتاريخها بأرثها )*
*(ماحقت زول )* لن تمنع الجموعية أهل الركاب في تخوم أمدرمان الذين صبروا علي أم شعيفة وحر السموم أن يدقوا نحاسهم مرحبين بكل وافد ولاجئ ونازح رغم أنهم اصحاب الديار واهلها وتاريخهم الضارب في الجذور.. لن تٌطفئ *( عبارة ماحقت زول )* جذوة الخلاوي عند رصفائهم الجموعية أهل الكتاب في الشيخ الطيب والجزيرة إسلانج والسروراب وهم يتلون آيات الله
*(الخرطوم ماحقت زول)* ، لن تمنع البطاحين في شرق النيل أن تعربد خيلهم وتتراص صفوفهم وهم في قوتهم وصولجانهم الذي أكدت قوته الايام.
*(ماحقت زول)* لن تمنع أول مسجد بالخرطوم أن ينادي *(أن حي علي الصلاة ..حي علي الفلاح)* المسجد الذي بناه في القرن السادس عشرالشيخ أرباب العقائد إبن جزيرة توتي تلك المدينة الخرطومية الماتعة.
*(ماحقت زول )* لن تجعل من بحري *(سر الهوي فحسب)* بل ستحكي أن بحري لها تاريخ ماجد وعبارة *(تدخل بحمد وتمرق بخوجلي )* ليس مزحة بل هما قريتين يعود تاريخهما الي القرنين السابع عشر والثامن عشر ولازالت مزارا تشيران الي أن اولياء الله الصالحين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون وأن الشيخ ود مريوم يحُدثنا أننا أهل الخرطوم ، وتظل بحري تحدث عن الكرام فكانت مملكة العبدلاب العريقة وعجيب المانجلك والصواردة وطبقات وضيف الله التي أنصح كل من نطق بعبارة *(الخرطوم ماحقت زول )* أن يتفيأ ظلالها ليعرف أن للديار صاحب.
والشاهد علي ان الخرطوم لها تاريخ وصاحب فليقرأ جيدا مملكة علوة بمنطقة سوبا التي تعود الي عهد الدولة المسيحية وبعدها سيدرك أن الخرطوم التي حاولوا بهذه العبارات أن يجعلوها *(بلا هوية )* لها أهل ينتمون اليها
هل يدرك المرددين لعبارات *(أن الخرطوم ماحقت زول )* أن أهل الخرطوم *(كرش الفيل)* هم أكثر المتضررين من أن مدينتهم هي العاصمة ومركز الحكم وثقل الدولة ؟ ، ولو قيض لهم إستفتاء لإختيار موقع للعاصمة ستجدون أن أهل الخرطوم لن يصوتوا لمدينتهم ..ولن يتمنوا أن يكونوا أبناء العاصمة والمركز فقد أصبحت الخرطوم كعاصمة مبعثرة لأمانيهم ..مضيعة لآوقاتهم ،،مهددة لأمنهم .. ولم يجنوا من ذلك سوي الهشيم الذي تذروه رياح الصخب وهتافات العنصرية التي تتهم الخرطوم بأنها المتنعمة بكل خيرات الوطن ، وأنها القابضة بمقاليد الحكم وبيدها السلطة والثروة ، ولكنهم لم يعلموا أن أهل الخرطوم لم يقبضوا غير الهواء فقط ،، حيث لم يحكم أبناء الخرطوم حتي ولايتهم ،، ولم يتولوا أي مناصب ومكاسب جوهرية في الدولة وليس بيدهم من خيرات الوطن شئ ورغم ذلك متهمون ولكنهم أبرياء من كل تهمة ومن ألصق دم الوطن بقميصهم فعليه أن يدرك أن أهل الخرطوم غير فخورين بأن ولايتهم هي العاصمة والمركز *(خذوا المناصب والكراسي وخلوا لنا الخرطوم).*

*رؤي أخيرة*
دعوة للسيد/ دقلو أن يرتشف القهوة في تخوم الجموعية والفتيحاب والزنارخة بمدينة أمدرمان حتي يتعرف علي بعض من أهل الخرطوم وحباااابك عشرة بلا كشرة …؟؟