حينما وصلت الدوحة لاول مرة فى العام 2003 احتوانى استاذنا الصحفي الراحل هاشم كرار _الذى غيبه الموت امس _ وتلقفنى بحنو من يدرك وطاة (نار البعد والغربة) على شاب صغير (غريب عيون سرحان على الارض الغريبة يسال الشوق عن وطن)..
كان الراحل هاشم اول من استضافني فى داره على دعوة ( ملاح اخدر) صنعته يد الماهرة الوفية زوجته اماني- حينما ينطق هاشم اسمها فانك تستشعر الحب المشوب بالتقدير والامتنان يمور بين الحروف وينبئك عن علاقة وفاء واصطفاء و(الفة عجيبة) ، كيف لا.. وقد اهداها سفره ( بعيون ابراهيم سومسوم ) .. وكتب ( الى امراة تغرد خارج سرب النساء… داخل قفصى الصدري)..
اذكر يومها ان هاشم لسعنى بنصيحة جعلتني انهض واقفا وانا فى حالة استنكار وتساؤل وحيرة، فى لحظة (تجل هاشمية) غادر بي الرجل مشاهد الوداع فى السودان ولوعاتها التى لا تنسى، واوصد فى افقي انتظار تحقق الامنيات العراض لمشروع الاغتراب فى ( قطر حيث القروش مطر)، وبخلاف كل من التقاني ونصحني بالتجلد والاستعداد لاقامة طويلة فى الخليج والتصالح مع مبدا ،(عيون فى الغربة بكاية ، دموع تمسي ودموع جاية).. فاجاني هاشم بالقول ( ارجع السودان).
اقلقتني النصيحة الحارقة فى بادئ الامر و( اكلت معاي جنبه) وانا الذى علقت كل امالي على ما ساجنيه من مشوار الغربة حتى وان ( كلفني ضى العين تمن).. فعاجلته بمنطق من رفض الفكرة ابتداء، ( وليه الناس دى كلها مارجعت طالما ان الغربة سيئة لهذه الدرجة وما فيها فايدة)، ربت الرجل على استنكاري بلطف عبارة نفحتني براحة وسكينة وهو يجيبني بينما تمتد يده بهدوء لتقطع المسافة بين صحنى (الملاح الاخدر ) و( الشطة).. (ما رجعوا لانهم اتورطوا يامحمد) ، فالعاقل من نفد بجلده قبل ان يدخل فى ورطة الاغتراب.
لحظة قررت خوض معترك الغربة كانت تلاحقني فى كل يوم نصيحة هاشم، تحملني على جناح القلق والتوجس من الغرق وتقربني فى كل يوم الى ضفة السودان، هياتنى نصيحة هاشم كرار لان اكون خفيفا فى انتظار لحظة وعي فارقة ستحملني فى اي وقت للقفز من مركب الاغتراب .. وقد كان ، فبعد ثلاثة اعوام فقط احسست بصدق هاشم واختلافه وسعة رؤيته ومقدار محبته للبلد واستيائه من الغربة، وقررت العودة الي السودان ..
اللهم ارحم هاشما فقد كان بحرا فى السماحة والنبل والوفاء والادب، عاش سودانيا صميما تشرب بفضائل اهل البلد ونهل من معين ادبها وسياستها وصحافتها بما جعله رمزا مشرفا لبلادنا فى مغتربه بدوحة الخير، كان موسوعيا مثقفا وصحفيا من طراز مختلف وصاحب مدرسة فى الكتابة الطاعمة المبدعة، تغمده الله بواسع الرحمة والمغفرة والعزاء لارملته امانى وابنائه( هاشم ، طه، وعوض) ولاسرته الممتدة بالحصاحيصا ولاصدقائه وتلاميذه ومريدى سهله الممتنع.. انا لله وانا اليه راجعون..
اترك رد










