إنَّ تجربة تحالف الشيوعيين مع القوي العسكرية في البلاد هي تاريخ مرير يَعُجُّ بسؤ الظن والغدر والتمرُّد مثَّلتْها ثورة 25/مايو التي خلال سنينها الأولي أنقلبوا عليها بما أسموه بالثورة التصحيحية فجَّروا بسببها حمامات الدم الغزيرة في مدرعات الشجرة وقصر الضيافة وتُعْتَبر محاولةُ الانقلابِ علي جعفر نميري والغدرِ به بليالِيها الثلاث من أشدِّ لحظاتِ تاريخِ الحُكْمَ في السودان بعد الاستقلال قسوةً وعُنْفَاً وتراجيديا حيث مَنَحتْ أحداثُها عمراً إضافياً جديداً لجعفر نميري في الحكم وحكَمتْ بالطَّردِ والإستبعاد المشدَّد لكلِّ كوادرِ الشيوعيين بالقواتٍ النظاميَّة .. وتلقَّي خلالَها الحزبُ الشِّيوعيّ ضرباتٍ مُوجِعةٍ شلَّتْ قُدرتَه علي مواكبةِ الأحداثِ وتعبئة الجماهير وتنظِيمِها وقيادة المبادرات السياسية لاحقاً ..
📗
ولعل التعاطف الشعبي الكبير الذي وجده جعفر نميري والإلتفافَ الواسعَ لكلِّ قطاعاتِ الشعبِ حوله بعد إنتصاره المُستَحَقِ علي إنقلاب الشيوعيين وسحقه لقياداتِهِ العسكرية والمدنية هو ما يُمثِّلُهُ برنامجُ الحزبِ الشِّيوعيِّ من استفزازٍ للمشاعِرِ الدينية لعموم الشَّعبِ وما يقدِّمه سُلوكُ عضويتِهِ من خُروجِ مُتكرِّر علي الأعرافِ والتقاليدِ والراسخِ من الدين .. وليس أدلُّ علي ذلك من حادثةِ الطالب الشَوقِي في مَعْهَدِ المعلمين عشيَّةَ أنْ طَعَنَ في شَرَفِ أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وكانت سبباً لِطَرْدِ نُوابِ حزبِهم من البرلمان الأمرُ الذي دفَعَهم للتحالف مع تنظيمِ الضُّباطِ الاحرار برئاسة جعفر نميري والمشاركة معهم في إنقلاب 25/مايو 1969م ..
إنَّ لشيوعيين ذاكرةٌ ممتلئةٌ بروحِ التَّشَفِّي ومنهكةً بالصٍّراعِ ومزكومةً بروائحَ الدمِ فطبيعي أن يغنوا للرزاز الدم ويتغزلوا في الثورة التي تَحْمِلُهم للحكم علي أعوادِ البنادق لانَّ تجربتَهم مع جعفر نميري أسقَطَتْ أورقَ التُوتِ الأصفر من العوراتِ والدَّمَامِل علي أجسادِهم اللَّعينة..
ولعل من أعظمِ افْضَالِ الإلهِ علي العباد بالسودان أن تُدْرِك القوي العسكرية المُنظَّمة بالبلاد ومنذ وقتٍ مبكرٍ من عُمُرِ وعيٍّها الوطني خُبْثَ اليساريين وسوء المصير الذي سيقابله السودانيون إذا نجحتْ ثورتهم وحكموا العباد..
لذلك طبيعي ألأ يثق أهل اليسار جميعاً في قوات الشعب المسلحة وأن يسعوا لهدمِها وتَفكِيكِها حتي لو تَأسسَتْ علي أنقاضِها قوي أُخْرَي من البرابرة والتَتَار الجُدُد وعُرْبانِ الشَّتات وطَفَقَتْ في الشعب سحلاً وأغتصاباً قتلاً وتشريداً ..
لذلك كان صادماً لهؤلاء منظر القواتِ المسلحة وهي تَزُودُ ببسالةٍ مُتحصِنةً داخل أسوارِ قِلاعِها العسكرية بينما تتساقطُ جنودُ المليشيا كالفراشاتِ الحمقي أمام كثافةِ النِّيران واللهب ..
وخوفاً علي ضياعِ هذه الفرصةِ النادرةِ التي تَهْتَبِلُها مليشيا الجنجا أصالةً عن دولة آل الجنيد ووكالةً عن كلِّ مسرحِ العرائس القحطي الذي يُمْسِكُ خيوطَهُ الشِّيوعيون وتمولُهُ دويلةُ الشَّر..
ولعل ما يدفع أهل اليسار وأعوانهم من العلمانيين لإتخاذ العنف والمغامرة والفهلوة منهجاً للإستحواز علي السلطة هو انسداد الأفق أمام طريق أحلامهم لحكم الشعب سواءً عبر آليات العمل الخشن الذي تعتبرالإنقلابات العسكرية طريقته المثلي أو الوصول للحكم عبر آليات العمل السياسي الناعم الذي يلعب فيه عدد المؤيدين والانصار العامل الحاسم في صناديق إقتراعه ..
ومما نتابع الآن كان حتماً علي اليسار وأعوانه أن يؤخِّروا إكتمال نصر القوات المسلحة علي المليشيا ما استطاعوا وأن يباعدوا إلتفاف الشعب حول قواته المسلحة ما استطاعوا..
وهل شعار (لا للحرب) الذي ترفعه علي رؤوس أصابعها حياءً قوي النفاق هو مشروعٌ وطنيٌٍ يعملُ علي تعزيزِ قيمٍ السَّلام واسْكاتِ صوتِ البنادق بمسؤوليةٍ وصدق …؟
إن هذا المشروعَ التَّخزيلى الجبان يُعَدُّ أكبرُ نكبةٍ وطنيةٍ تتنكَّبُها البلادُ عقوقاً ونكايةً وخيبةَ ولد ..
كيف جاز لكلِّ هؤلاء الشركاءِ في الوطن مِمن إلتَفوا حول شعار الخائبين مهما بَلَغَتْ بهم شِدَّةُ الشَّهوةِ في الحكم واستبدَّ بهم اليأسُ في تحقيقِها أن يعملوا علي تَعْمِيق جِراحِ أكثر من عشر مليون إنسان أُغْتُصِبَتْ نساؤه وقتل ولده ونُهِبَتْ مُمْتَلكاتُه وطُرِدَ من دارِهِ والآن هو نازحٌ لا حولة له ولا قوة ..
إنَّ المخزيَ حقاً في حال المنادِين بشعار ( لا للحرب ) هذا الإصْرارُ الهستيريُّ الأعمي علي رفعِ شِعار لوقفِ الحرب يُساوِي فيه بين طرفيها دونَ أدْنَي إدانة لأحدهما رغما عن أن العالم كلُّه قد شَهِدَ بِوحشيتِهِ وقسوتِهِ وإجرامِه ..
ولعل ما يُرِيحُ أعصابَ المرءِ ويقوِّي إيمانَهُ بالمستقبل أن هذه القوي السياسية قد دبَّ اليأس في روحِها ووقفتْ عاريةً علي حافةِ مسرح الحياة تترنَّحُ للسُّقوط وليس أدلُّ علي ذلك سوي دعوتِها لشَّعب الكرامة والاستنفار لِيخْرُجَ معها في التظاهرات المليونية يردِّد بعد توثُّب ويقظة شعارات المُيوعَةِ والخزلان والإنحطاط ..
إن النَّصرَ للشَّعبِ علي المليشيا يكْتملُ حين نعلمُ أنَّ غايةَ ما تستطيع فعلَهُ قوي الخزيّ والعار هو التَّمركُز علي ذاتِ الصعيد الذي عَبَرَتْ منه الي الشِّمال من قبل قوي تحملُ اخبارَ جندِ الخليفة وتحصينات أم درمان العسكرية الي استخبارات العدؤ ثم عادتْ مع كتشنر تخوضُ في دمِ الشهداءِ رافعةً ثيابها وهي تمشي متطاطئةَ الراسِ علي أجسادِهم ..!!!
الأستاذ /
يوسف ابوصيحة









