
هناك خلل بنيوي ومعضلة في سياسات تعامل الدولة مع الضرائب والرسوم الجمركية وعجز في التعاطي معها على أساس انعكاساتها العميقة على البنية الاقتصادية الكلية وتحقيق العدالة الاجتماعية والأمن، حيث تشكل الضرائب موردا مهما لاقتصاديات الدول وفي كثير من الأحيان تشكل المصدر الرئيسى للموازنة المالية لدي كثير من الدول أن لم تكن الوحيد، والضرائب تعد من أساسيات توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وبالتالي تساهم في استقرار الدول سياسيا واقتصاديا واجتماعيا حتى أمنيا، من خلال توجيه الإيرادات الضريبية إلى وجهتها الحقيقية في بنود الإنفاق فضلا انها تمثل روح المواطنة ووازع أخلاقي لدى الممولين وكثير من الدول تحاكم بأحكام قاسية الممتنعين عن سداد ما عليهم من ضريبة أو المهربين من سدادها وتحرمهم من عدة مزايا وحقوق ولا يسمح لهم بعضوية مجالس محلية أو برلمان قومي أو شغل منصب تنفيذي أو سياسي وتحرمهم من الترشح للمنافسة في كل تلك المناصب.
وتعتبر الضريبة ضرورية لاعادة توزيع الثروة ويتم هذا الأمر من خلال السياسات المالية التي تعد إحدى صلاحيات الدولة للتدخل في المسار الاقتصادي وان كان بشكل غير مباشر، واحد المنظرين لهذا الأمر هو الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز الذي ساهمت أفكاره في ثلاثينات القرن الماضي في خروج العالم الغربي ولاسيما أمريكيا في عهد الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت من (الكساد الكبير) عبر بناء دولة (الرعاية الاجتماعية) إذ يرى أن الضريبة تلعب دورا مهما كأداة بيد الحكومات ضمن هدف توزيع الثروة ويمكن تفسير كلام كينز بشكل واضح من خلال الرجوع إلى الضرائب التصاعدية التي تستهدف أصحاب الثروات الكبيرة إذ أنها تحقق إيرادات كبيرة تعيد الدولة توزيعها على باقي فئات المجتمع بأشكال مختلفة منها الاستثمارات في البنية التحتية والإنفاق الاجتماعي على الصحة والتعليم والنقل المشترك والاعانات المادية المباشرة. كل هذه الأمور تدخل ضمن إطار إعادة توزيع الثروة، لكن الأساس هو قيام الدولة باستخدام الضريبة لتوفير الموارد اللازمة لهذه الخدمات. وفي كتابه (النظرية العامة للتوظيف والفائدة) يتحدث كينز عن توزيع غير العادل للثروة والدخل ويقر بأن أضرار ظاهرة اللامساواة كبيرة إلا أنه يبرر وجودها ويربطه بأسباب سيكولوجية واجتماعية مثل الحاجة إلى وجود دافع (كسب المال) لتأمين الأنشطة البشرية الأساسية للمجتمع ما يخلق فرصة لتوزيع الثروة ولو بشكل غير عادل اما سيكولوجيا فحسب كينز هناك دافع لازاحة الإنسان عن ميوله الخطيرة التي تتمثل في (القسوة والسعي المتهور للحصول على السلطة وأشكال أخرى من التعظيم الذاتي) وذلك من خلال السيطرة على هذا الميول عبر السماح للأفراد بكسب المال وتجميع الثروات الخاصة واللجوء إلى هذا الدافع يخلق فرص للتوزيع المتفاوت للثروة، إشباع الحاجات السيكولوجية والاجتماعية برأي كينز ضرورة تنتج تفاوتا في توزيع الثروة والدخل الا انها مبرر إلى درجة ما، ويرى كينز أن العيوب البارزة في المجتمع الاقتصادي تتمثل في اخفاقه في توفير العمالة الكاملة وفي توزيعه التعسفي وغير المنصف للدخل والثروة، لنعبر من هنا لناتي لفكرة اصل (الدولار الجمركي) الذي يشكل ظاهرة ضريبية في الأصل ويمكن في أنه أداة ضريبية يمكن استعمالها ضمن هدف إعادة توزيع الثروة بدلا من الحوار والنقاش القائم الان (حاليا) الذي لا يرى في هذه الأداة سوى (تحريك) محاسبي لأدوات جبائية ونافذة للايرادات لتمويل الإنفاق الإضافي لخزينة الدولة واستعمالها بهذا الشكل يعني تحويلها إلى ضريبة قاسية على كل المواطنين والمقيمين في البلاد فضلا عن أنه يسهم في زيادة تشوهات المجتمع والاقتصاد.
لا يمكن التعامل مع ملف الدولار الجمركي بشكل منفرد عن السياسات المالية العامه التي لم تكن موجودة في السودان خلال العقود الماضية، فلهذا الملف انعكاسات اقتصادية واجتماعية لا تقتصر فقط على إيرادات المالية العامه، إذ رفع قيمة الدولار الجمركي هو بمثابة ضريبة جديدة أو بشكل أدق هو استعادة لضريبة قديمة فقدت قيمتها مع انهيار سعر الصرف للجنيه السوداني، وبالتالي لا يمكن التعامل معه بمعزل عن نتائج الأدوات الضريبية وأثرها في الاقتصاد وفي الحسابات المالية الخارجية للسودان وهذا الأمر يعني أنه لايمكن استعمال أداة كهذه الا ضمن رؤية مالية موسعة تهدف إلى تحقيق النمو الاقتصادي ومعالجة أسباب الأزمات الحالية في الاقتصاد وعمليتي الاستيراد والتصدير وأثرها على السوق المحلي وان كانت المعالجات تتطلب أدوات أخرى في سياق نشوء الأزمة الاقتصادية والمصرفية والنقدية.
دور الدولة تتمثل في السيطرة على التفاوت غير العادل وإعادة توزيع الثروة من خلال الضريبة،.
في هذا السياق الرأسمالي الذي يعتبر السودان جزءا منه يمكن التعامل مع الدولار الجمركي بشكل مختلف عما هو مطروح حاليا فباعتباره ضريبة يمكن رؤيته على أنه فرصة لإعادة توزيع أكثر عدلا للثروة فالرسم الجمركي هو أداة الدولة للتحكم وبشكل غير مباشر في كل ما يدخل إلى البلاد من سلع ومن خلاله يمكن فرض ضريبة على سلع مختارة ومحددة لعدة أهداف وقد ترمي هذه الأهداف إلى حماية السلع المنتجة محليا أو التحكم في حركة الاستهلاك المحلية أو اعادة توزيع الثروة، من أبرز الأمثلة على ذلك هي استيراد السيارات التي ملأت شوارع الخرطوم بكثرة واصبح البحث عن ايجاد مواقف لهذه السيارات أمر مزعجا أن لم تكن من المستحيلات ولم تترك السيارات ممرا آمنا ل (خ ١١) الراجل اي العابرين باقدامهم فضلا أن السيارات استنزفت كمية كبيرة من الدولارات التي يحتاج إليها السودان الصمود في وجه الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد فقد استورد السودان خلال الثلاثة سنوات الماضية سيارات لاتقل قيمتها عن (30)مليار دولار حسب تقديرات الخبراء، بينما كان يمكن توجيه بعض هذه الأموال من أجل تغطية حاجات اقتصادية واجتماعية أكثر إلحاحا من استيراد السيارات، كان من الأفضل استيراد مدخلات إنتاجية ضرورية لتدوير عملية الإنتاج وتشغيل المشاريع والمصانع المتوقفة والمغلقة وخلق فرص عمل للشباب والصبايا، فضلا عن أنه مع ازدياد معدلات الفقر في السودان بات أكثر من 80٪ من السودانيين مصنفين (محرومين) صار صعبا على الغالبية امتلاك سيارة والإنفاق عليها فالسيارة تحتاج صيانة وتشغيلها، والتشغيل بدوره يستهلك دولارات إضافية يدفعها السودان من موارده لاستيراد البنزين والاسبيرات واللساتك لشوارع الخرطوم المحفرة والمياه التي لا تفارقه لذا فإن زيادة الدولار الجمركي على استيراد السيارات تعد أمرا منطقيا في سياق إعادة توزيع الثروات وحماية البيئة ومن التكدس الذي يعاني منه شوارع الخرطوم ومن تعطيل للأعمال، فمع فرض رسم جمركي أعلى على السيارات سيرتفع موارد الدولة الضريبية أو يحقق أهداف اقتصادية، وهذا الامر يمكن تطبيقه على الكثير من الواردات ذات الأسعار الغالية من سلع كمالية استهلاكية التي لا يزال السودان يستوردها وهو في خضم أكبر أزمة اقتصادية في التاريخ يستورد منها بشراهة، غير أن هدف إعادة توزيع الثورة يتطلب أن يتم الإمساك بطرفي اللعبة اي بالواردات والنفقات أيضا وبالتالي فإن رفع الدولار الجمركي هو مجرد أداة لم لا تكتمل في سياق إعادة توزيع الثروة الا من خلال توجيه النفقات بالشكل المناسب، يمكن استخدام الدولار الجمركي للتحكم بحركة الحسابات الخارجية مثل ميزان المدفوعات الذي يتضمن الحساب الجاري فمع رفع الدولار الجمركي على سلع مختارة تستطيع الدولة التحكم باستيراد السلع ولا سيما غير الضرورية منها أو التي يصنع منها محليا (وهذا يتطلب فرض ضريبة على التصدير أو حظر التصدير تماشيا مع الحاجات الاستهلاكية المحلية) أو الكماليات التي يستهلكها الأثرياء بهدف تقليص عجز ميزان المدفوعات النابع بشكل أساسي من العجز في الميزان التجاري وبالتالي تخفيف الضغط على سعر الدولار في السوق ما يساهم في تحسين القدرة الشرائيةللاقتصاد بأكمله وهذا أمر يتدرج أيضا تحت عنوان إعادة توزيع الثروة.
أظهرت طريقة طرح الدولار الجمركي على العلن أن تعاطي الحكومة معه هو تعاط محاسبي بحت دون أن يكون هناك أي حسبان للتداعيات التي تنتج ليس عن تطبيق رفع الدولار الجمركي بل عن طرحه بهذه الطريقة الشاهد على هذا الأمر سلوك التجار والمستهلكين في السوق بالتوازي مع انتشار الخبر وحتى لو كان مجرد إشاعة فما أن تطرح موضوع الدولار الجمركي حتى يبدأ التجار برفع أسعار السلع المستوردة إلى الأسواق المحلية بحجة احتمال رفع سعر الصرف للدولار وقد حدث هذا الأمر عشرات المرات فتكررمع كل مرة طرح فيها الموضوع وفي المقابل حصل تغيير في سلوك الاستهلاك بسبب أخبار احتمال رفع الدولار الجمركي كل هذه الأمور تظهر من خلال تعامل الدولة مع الدولار الجمركي على أساس انه خطوة محاسبية بدلا من التعاطي معه كسياسة على أساس انعكاساته العميقة في الاقتصاد وكذلك فرض الضرائب والتعامل معها وأهميتها الاقتصادية في توزيع الثروة والرعاية الاجتماعية والمساهمة التنموية وهذا أمر آخر ربما نعود إليه في مقبل المقالات عن الضرائب مالها وماعليها مع ضرورة تغيير السياسات والتعامل معها.
……………………………….









