
.. وحده والي الخرطوم كان قادراً علي التحرك (بالسارينا) ذاك النهار.. ولنهارات خلون من عمر الأزمة السودانية ونهارات منها لاحقات بالطريق الشاقي الترام من مكتبه بشارع النيل مروراً بشارع القصر حتي ميدان أبو جنزير.. وسط الخرطوم.. وحده كان قادراً علي أتخاذ هذا المسار نهاراً والعين تشوف بموكب من المحبة نصبت له منصة مخاطبة أمها جموع الصحفيين والمبدعين والدراميين وعمال النظافة والفريشة وسابلة الطريق دون أن يقاطعها أحد أو تحرسها قوات مدججة بالأسلحة والذخائر.. ولقد لحظت وأنا المراقب اللصيق لسير العمل وحركة الوالي أركان تنفيذ ومتابعة وهمة أن ولاية الخرطوم قد شهدت إستقراراً مقنعاً فيما تعمل وتباصر أكبر بمراحل من كل ما سبق خلال السنوات الثلاث الماضية التي تردت فيها الخدمة المدنية لأدني مستوياتها.. حتي جاء عهد هذا الضابط الإداري الذي أكثرنا من نقدنا له في سياق الهياج العام ثم ما لبثت قدراته الإدارية الكبيرة في التفجر بين فرث من تردي ودم من همة فأستطاع بما هو ممكن ومتاح أن يعيد للعمل التنفيذي المباشر سطوته عبر إلتقاطه لقفاز كل المبادرات المهنية والمجتمعية المطروحة في الساحة وإحالتها لبرنامج عمل مباشر (منه للشارع).. وتلك لعمري لا تتأتي إلا لصاحب تجربة صبر عليها وغذاها بالأسي ومر والذكريات.. والشواهد علي ذلك تمضي في إتجاه الإلتفاف الكبير من الضباط الإداريين (كتكنوقراط) حقيقيين حول تجربة زميلهم القائد وقيامهم علي أمرهم لأول مرة منذ سنوات طويلة (لعلها من أيام مايو) فأنتشروا في الأرض بروح التحدي ووقود الخبرة والدربة بشأن الناس والأحداث في الأسواق والشوارع والميادين والأشواق..
أثبتت تجربة أحمد حمزة بولاية الخرطوم أن التكنوقراط الذين نبحث عنهم كانوا بيننا طوال الوقت بينما كنا نبحث عن (سوبرمان) سياسي لا وجود لها إلا في مخيلة السياسيين الفشلة وأثبتت كذلك لهؤلاء الضباط حقهم في الحفاظ علي ما تبقي من إرث الخدمة المدنية حين سنحت لهم الفرصة..
تجربة والي الخرطوم التي قسونا عليها حين ترنحت في بداياتها بسبب الإرث الثقيل الذي خلفته تجربة قحت الفاشلة هي تجربة جديرة بالمؤازرة والدعم فقد بدأت ملامح نجاحها تظهر رغم العقبات الكبيرة وعثرات الطريق في السياسة والإقتصاد والمجتمع.. فقد تمكن الرجل من إجتياز حاجز التشكيك والتخوين الذي أنتظم الساحة زماناً وبدأ في العمل بإيقاع هادئ ومتقدم مع أركان حربه من الإداريين دون إقصاء أو تردد فعادت للخرطوم تدريجياً قدرتها علي الفعل.. أستقر الإمداد المائي.. وألتقطت الكهرباء أنفاسها وبدأت هيئة الطرق والجسور في العمل.. ببطء.. ولكن بقوة.. بدأت الأسواق في التنفس بعيداً عن الأجهزة الصناعية وعاود الناس التردد علي دواوين الحكومة لترتيب أوضاعهم.. وأستردوا ثقتهم في مجالها الخدمي.. وغازلت الخرطوم الآن لأول مرة ملف الأمن المجتمعي (المسار الإستراتيجي) للتنمية.. وبدأت مبادرات قوي المجتمع بالإنضباط علي إيقاع الدولة..
ليوم واحد.. بل لنصف يوم وربما أقل تابعت حركة الوالي التي بدأت بلقاء سيادي بمجلس السيادة ومرت بإجتماع خاص بغرفة طوارئ الخريف ثم ملتقي إعلامي.. فجلسة ترتيب لصفوف الإدارة الأهلية وتلافي كارثة مجتمعية.. فتطمين لتجار أعتقدوا أن ظلماً وقع عليهم جراء ممارسة ما.. فخرجت بنتيجة مفادها أن دعوا الرجل يعمل.. ودعوه يعيد للدولة بريقها وسلطان هيبتها المفقود.. و سلسبيل عدلها المهراق علي قارعة السياسة الرعناء.. وأدعموا تجربة الضباط الإداريين في الولايات.. بل أبحثوا عن رئيس للوزراء من بينهم وسيحدثون الفرق..
غداً بإذن الله أحدثكم عن رشان أوشي ونوفا الكردفانية وأم وضاح.. وأخريات وآخرين شقوا لطريق المجد مسارا.









