المقالات

استراتيجيات.. د. عصام بطران يكتب : الخرطوم قدح المطر !!.

– المتتبع لشأن الخريف والسيول والفيضانات في (خرطوم الفيل) يدرك تماما ان اختيار المستعمر لهذا الموقع ليكون عاصمة ادارية لم يكن اختيارا جغرافيا وفق دراسة تفاصيل الكنتور والمرتفعات والمنخفضات الطبيعية مثلها مثل عواصم العالم الاخرى التي يقع معظمها في الهضاب والمرتفعات التي تتفرع عنها الاودية الى مصباتها دون حدوث اضرار بالمناطق السكنية .. اختيار المستعمر للخرطوم كعاصمة ادارية جاء لعدة اسباب غير الجغرافية (كما ذكرت انفا) من تلك الاسباب الحصون الطبيعية لمقر القيادة العسكرية (بين النهرين)، الوجهة السياحية لمقرن النيلين ، ثم راي ثالث ذهب الى الخرافة والاعتقاد بملتقي (البحرين) ، بالاضافة الى محاصرة بقعة الامام المهدي من الضفة الاخرى للنهر ..
– سواء صدقت تلك الروايات او غير ذلك يظل السبب الجغرافي الكنتوري لاختيار العاصمة في الخرطوم غير وارد اطلاقا من خلال الواقع الذي تعيشه الخرطوم بمجرد هطول اقل معدل من الامطار .. الخرطوم (قدح المطر) .. هذه المقولة لم تاتي من فراغ فهي اشبه بالحقيقة الى حد بعيد حيث ملتقي النيلين يمثل مهبط لعدد 32 من الخيران والاودية التي تحمل السيول من الهضاب والمرتفعات الى منخفضات ادنى النيلين وخاصرتهما (المقرن) ..
– هناك عدد من الدراسات تؤكد رواية ان (الخرطوم قدح المطر) والقدح هو (صحن) الطعام المصنوع من الفخار ومن عادات الصوفية ان لا يفرغ القدح من الطعام (الملاح) كناية عن اكرام الضيف .. والقدح ياخذ الشكل (المقعر) الشبيه بالحفير وسط الصحراء تتجمع فيه مياه الامطار وتظل هكذا طوال العام ويطلق عليه في غرب السودان (الفولة) وهو المكان المنخفض وسط المرتفعات .. وهكذا الخرطوم (فولة كبيرة) ..
– اثبتت عدد من الدراسات ان مستوى تصريف المياه عند هطول الامطار في الخرطوم عبر الأودية والخيران الطبيعية او عبر المصارف المشيدة لاغراض تصريف المياه الى النهر تعاني من الضعف الانسيابي بمعدل بطء التصريف 72 ساعة مقابل كل 100 ملم من الامطار وهذه النسبة تعكس الوضع الكنتوري (المقعر) للخرطوم وهو مايعرف بالمنخفضات قبل مصبات الانهار الطبيعية ..
– المتتبع للجهود الكبيرة التي بذلها كل حكام الخرطوم منذ العام 1946م سنة الفيضان الشهير مرورا بفيضان 88 ‘ 92 ‘ 96 ‘ 2020م يدرك حقيقة ان الخرطوم (قدح المطر) ذلك الصحن الكبير الذي تتجمع فيه (البرك والفول والحفائر) عند هطول الامطار وتتقاطر نحوها السيول لتتزاوج زواجا شرعيا مع ملتقى النيلين وتتدفق عليها مياه الانهار الثلاثة حين تفيض ..
– يبقى السؤال المهم رغما عن سوء تصريف الخرطوم الطبيعي لمياه الامطار .. ماهو حجم المخاطر التي ستحدث لولا ذلك الجهد الكبير الذي تبذله حكومة الولاية في درء اثار الامطار والتحضير المبكر لفصل الخريف سنويا ؟..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *