المقالات

المشروع الوطني السوداني: حاضرٌ يُصرَّف في ضمير الغائب بقلم: د. بهاء الدين مكاوي محمد قيلي

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن (غياب المشروع الوطني السوداني)، واعتبر الكثيرون أن غياب هذا المشروع هو السبب في كل ما يعانيه السودان من صراعات سياسية وتخبط اقتصادي، ومن تدهور في أوضاعه الاجتماعية وتأرجح في علاقاته الخارجية، وأنه لو كان لدى السودانيين مشروع وطني لتمكّنوا من التصدي لكل أزمات البلاد ولتربع السودان على ذرى المجد والسؤدد.
يقيني أن هذه مقولة فضفاضة تحتاج إلى فحص متعمق وتشريح دقيق لتحديد ماهية المشروع الوطني ومشتملاته لنعرف ما إذا كان بالفعل غائباً أم حاضراً، لأن المشروع الوطني ليس – كما يظن البعض- اتفاقاً سياسياً أو نصوصاً دستورية تُجمَع في وثيقة تسمى بوثيقة المشروع الوطني. يقول المستشار القانوني الضليع طارق البشري إن المشروع الوطني “يستخلص استخلاصاً من واقع الحركة الفكرية والسياسية والاجتماعية في مرحلة معينة”.
والمشروع الوطني، وإن كان يجب فيه أن يقدم إجابات على كل الأسئلة الوطنية الكبرى، فإنه لا يستلزم، بالضرورة، إجماعاً على كل تفاصيله ومضامينه وأهدافه وآلياته وأولوياته، لأنه يشير إلى الأهداف العامة والواسعة التي يتوخاها المجتمع ويسعى لبلوغها من جانب، وتصوراته لسبل تحقيق هذه الأهداف من جانب آخر، مع احتمال وجود الكثير من الاختلافات حول تفاصيل الأهداف والوسائل. والمشروع الوطني يهدف دائماً إلى إشباع الحاجات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لجيل معين في بلد محدد، ولكن ليس هناك إجماع بين مكونات هذا الجيل على تفاصيل هذه الأهداف والوسائل، فهو على حد قول البشري” حافظة تقبل الاختلاف في داخلها”، وهو ما يستوجب الحوار المستمر بين مكونات المجتمع حول تفاصيل هذا المشروع. كما أن المشروع الوطني نفسه قابل للتطور والتشكل تبعاً لظروف المرحلة، ففي أوقات الاستعمار، مثلاً، كان المشروع الوطني، في حده الأدنى، هو تحرير البلاد من هيمنة المستعمر، وفي مراحل الحكم الوطني أصبحت المشروعات الوطنية تعبر عن القضايا المصيرية والوجودية للشعب في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
لا يُعَدْ المشروع الوطني من قبل فرد أو هيئة مجتمعية وفقاً لرؤية ذلك الفرد أو تلك الهيئة ويفرض على المجتمع ، وهو ليس مشروعاً سياسياً يعبر عن طموحات طبقة اجتماعية أو حزب سياسي، ولا هو خطة يتم تصميمها من قبل السلطة الحاكمة وفرضها بطريقة فوقية ، بل يُستَخْلَص المشروع الوطني من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة ، ومن توجهات القوى والجماعات الفاعلة فيها، ومن تصورات هذه الجماعات لتحديات الراهن وكيفية التعاطي معها، وقد يعاني المشروع الوطني في بداياته من التناقض وعدم الانسجام، لكن هذه التناقضات تتلاشى أو تضعف بمرور الوقت ومن خلال الحوار والتفاعل المستمر بين المكونات الاجتماعية والسياسية، وكلّما مضى الزمن على المشروع الوطني، وكلما خضع للتفاعل ودار حوله النقاش المتعمق، كلما زالت أو تلاشت فيه أوجه التعارض والتناقض وظهرت فيه ملامح الانسجام والتكامل؛ فلا بديل عن الحوار المستمر والمناقشات المجتمعية الدائمة لبلورة المشروع الوطني.
ربما برز الحديث عن غياب المشروع الوطني السوداني في الآونة الأخيرة على السطح بسبب ما شهدته البلاد من تحولات عميقة خلال العقود الثلاثة الماضية، فقد تغيرت الساحة السياسية تماماً فتلاشت، أو كادت، أحزاب سيطرت على الساحة السياسية لفترة طويلة من الزمن، وظهرت قوى سياسية جديدة تسعى لأن تحل محل الأحزاب القديمة أو تنافسها على الشعب، كما برزت العديد من تنظيمات المجتمع المدني التي بات لها تأثير لا تخطئه العين على واقع الحياة الاجتماعية والسياسية، وولدت أجيال جديدة لها تصوراتها وطموحاتها المختلفة عن طموحات الجيل السابق ، وتبلورت قوى مناطقية حملت السلاح في أطراف البلاد المختلفة ثم ألقى بعضها السلاح ويحاول خوض المعترك السياسي بينما لا يزال البعض الآخر يحمل البندقية من أجل تحقيق أهدافه، وعلى المستوى الدولي أصبح السودان حاضراً في أجندة السياسة الدولية كخطر يتهدد المجتمعات وتأوي إليه الجماعات الإرهابية، وكمستودع للموارد الطبيعية، وحاضن لفرص الاستثمار المربح، وكبلد يحتل موقعاً استراتيجياً مهماً تتنافس عليه القوى الدولية والإقليمية ؛ وزاد من تعقيد المشهد السياسي والأمني التعثر الواضح في عملية الانتقال الديمقراطي بعد سقوط حكم البشير، والصراعات الحادة بين القوى السودانية المختلفة والمتناقضة في رؤاها ومصالحها وأساليبها في الممارسة السياسية. لكل ذلك بدا المشهد السوداني كله جديداً وغامضاً ومثيراً للتكهنات، ومتأرجحاً بين الخوف والرجاء، وهو ما أثار الحديث عن المشروع الوطني السوداني الذي بات شوقاً سودانياً ترى فيه بعض النخب فرصة لتحصين البلاد من التشرذم والانقسام الداخلي، وحماية لها من أطماع الخارج.
لكن العقل السوداني، في الواقع، لم يتوقف يوماً عن التفكير في هذه التحديات والسبل، بل يمكن القول بإن السودانيين يدركون أكثر من غيرهم بالعقبات التي تعترض طريقهم والفرص التي تلوح أمامهم، ويدركون جيداً عوامل قوتهم ومصادر ضعفهم، ويمتلكون تصورات واضحة للتعاطي مع كل ذلك، لكنهم افتقدوا القيادة السياسية التي تفجر طاقاتهم، وتستثمر وعيهم، وتحفظ مواردهم، وتخطط لمستقبلهم، وبالتالي لم يكن المشروع الوطني، وفقاً لهذا المنظور، غائباً في أي مرحلة من مراحل التاريخ، بل ظل يتبلور ويتضح في كل مرحلة بأكثر من المرحلة التي سبقتها، ولأن المشروع الوطني هو خلاصة تصور الجماعة الوطنية لما يجابهها من تحديات، ورؤيتها لسبل وآليات التصدي لهذه التحديات، فقد تختلف تصورات الأفراد والمؤسسات في وصفها لمعالم هذا المشروع تبعاً لاختلاف الزوايا التي ينظر منها كل طرف للمشروع الوطني، وبالتالي فإن وصف معالم المشروع الوطني نفسه قد يكون محل اختلاف وتجاذب.
وإذا ما حاولنا تسليط الضوء على أهم معالم هذا المشروع من وجهة نظرنا، التي، كما ذكرنا، ترتبط بالزاوية التي ننظر منها للموضوع والتي قد تختلف مع رؤية آخرين ينظرون إليه من زوايا أخرى، يمكننا القول بإن أهم معالم المشروع الوطني هو الاجماع على النظام الديمقراطي الذي يضمن الحرية بمعناها الواسع، ويحقق العدالة، ويصون الكرامة، ويضمن المساواة، ويحارب الفساد، ويؤكد على حكم القانون، ويُعْلِي من قيمة الحرية الشفافية والمحاسبية. ومن معالمه الإجماع على أهمية السلام القائم على قيم المساواة والعدالة والضامن للتنمية المتوازنة والمستدامة، وتتجلي معالم المشروع الوطني السوداني، كذلك، في الايمان الشعبي الراسخ بضرورة إقامة علاقات خارجية متوازنة تقوم على النِدِيّة وتمتنع عن التدخل في شؤون الدول الأخرين
هذه، كما نعتقد، بعض أهم أسس المشروع الوطني السوداني، ويمكن أن يضيف عليها آخرون، وهي واضحة جلية في أذهان أغلب السودانيين، وتجلّت في مختلف النصوص الدستورية واتفاقيات السلام التي وُقِّعَتْ في العقود الأخيرة، وفي الممارسات السياسية والاجتماعية، وقد يختلف السودانيون حول تفاصيلها وسبل تنزيلها إلى أرض الواقع وهذه الاختلافات التي تعبر عن تنوع في الآراء والمواقف من أهم سمات المشروع الوطني، وهي مؤشر صحة ودليل عافية ، لأن الثبات ليس مطلوباً في كل الاحوال فقد يثبت الحال على سوء، وكما قيل فإن “الماء الراكد يأسن”، لذلك فإن الأنظمة السياسية والاجتماعية الفاعلة والناجحة تجدها دائماً تموج بالحركة في داخلها: حوار مستمر، ومناقشات لا تنقطع، ومساومات وتسويات لا تنتهي.
بهذا المنظور فإن أساس مشاكلنا لا يكمن في غياب المشروع الوطني، ولكن في غياب الإرادة السياسية، وفي ركود المجتمع المدني الذي لم يكلف نفسه عناء البحث في معالم المشروع الوطني، وفي تخلف الأحزاب السياسية التي شغلت نفسها بسفاسف الأمور ولم ترتقِ إلى مستوى المسؤولية الوطنية التي تقع على عاتقها، حتى تقدمت عليها الجماهير وتجاوزتها وتركتها تلهث خلفها بدل أن تكون هذه الأحزاب مصدراً للقيم والاتجاهات في المجتمع ومدارس للتنشئة السياسية والاجتماعية ومستودعاً للأفكار الجديدة والمبتكرة.
إن الربط بين تدهور الأوضاع السودانية وغياب المشروع الوطني لم يقم عليه دليل حتى هذه اللحظة، ومع ذلك بات هذه الغياب المزعوم للمشروع الوطني هو” قميص عثمان” الذي تُعَلِّق عليه أغلب القوى السياسية تقصيرها وعجزها على الرغم من مسؤوليتها عن استخلاصه وتوضيح معالمه إذا كان بالفعل غائباً، ولكننا نعتقد بأن المشروع الوطني السوداني ليس غائباً بل هو حاضر ولكنه، للأسف، يُصَرّف دائماً في ضمير الغائب.
وبالتالي، فإن المطلوب الآن ليس إيجاد المشروع الوطني فهو موجود بالفعل، ولكن المطلوب هو تسليط الضوء عليه وإظهار معالمه، والعمل على تحقيق أكبر قدر من الإجماع على تفاصيله وأولوياته، ومن بعد ذلك تصويب الجهود نحو تحقيقه، تشترك في ذلك السلطة السياسية والأحزاب والمجتمع المدني ووسائل الاعلام والمؤسسات التعليمية وكافة قطاعات المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *