الأخبار

أحزابنا خيولنا التي لا تصهل!! بقلم : د. صديق حسن مساعد

 

بعد أن أنجزت الأحزاب وحركات التحرر الوطني مشروع الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، ورفرفت بيارق الاستقلال من أعلى مؤسسات الحكم الوطني الوليد، وظهرت النخب السياسية والعسكر المسيس، كان الأمل والحلم يراود شعوب العالم الثالث التي كسرت قيود الاستعمار وأعلنت الاستقلال أن تقود النخب الوطنية شعوبها عبر ممارسة ديمقراطية سلوكاً وممارسة وأداء، وكان أول هذه الأشواق من أجل البناء الديمقراطي، كان المأمول هو أن تبنى الديمقراطية وترسخ داخل هذه الأحزاب وأن تكون، أي الأحزاب، منصات انطلاق نحو تجويد الأداء الديمقراطي ونشر ثقافة الديمقراطية وجعل المؤسسة الحزبية مدرسة ومنارة تشع ديمقراطية وألقا داخل منظومة الحزب وخارج جدران الأحزاب، لكن النخب السياسية التي حكمت عسكراً و أحزاباً سيما في تجربتنا السودانية تنكرت لكل المواثيق والعهود والبرامج التي فلق بها الساسة هامات الجماهير وأصبحت تلك البشريات الواعدة أسيرة عدم الوفاء فران على المنطقة وعمها ليل دامس من ظلمات القهر الأحادي، ودخلت المنطقة في بيات وسبات شتوي جمد الحياة السياسية والحزبية بل حتى الأحزاب التي تدعو الى الديمقراطية تكلست وضمرت أطرافها وأفكارها و زوت فاستشرى الفساد وعم الخراب السياسي وغابت الحكمة فتسلط ربائب الحكم العضوض على كل مفاصل البلاد، وهذا الجو الموبوء بالمحن والكروب، مفاسد وسوء مقاصد، عطل كل شيء والسودان ليس استثناءً مما يجري ويمور من حولنا، ورغم كل هذا كانت هناك أصوات تنادي بالتغيير نحو الأرحب، هبت بعض الحواضر العربية منتفضة بروح شباب متوثب نحو الانعتاق من الحكم الظالم، فاقتلعت تلك العواصف الشابة كثيراً من الأزلام والأنصاب التي ظل كثير لها عاكفين سنين عددا، وأكدت الأحداث أن تلك النصب ليست حجارة فحسب بل عظاماً نخرة، تساقطت كأعجاز نخل خاوية وأجهزتها التي كانت تروع المواطن، ودخل الإقليم من حولنا في فصل جديد، فتغيرت كثير من المعالم التي أضحت أثراً بعد عين، لكن المدهش حقاً هو أن ينبري بعض ساسة هذه البلاد وقادة أحزابها يتحدثون عن هذا التحول وأنهم على موعد معه دون أن تطرف أجفانهم، يقولون إن هذا التحول سيشملهم بشمائله. والسؤال هل هذه الأحزاب ديمقراطية داخل جدران أحزابها وهل تعقد مؤتمراتها من القاعدة إلى القمة بكل شفافية و وضوح، وهل مصادر تمويلها معلومة ومراجعة؟ وهل حينما انطلق المارد الشبابي من عقاله ينادي بالتغيير هل خرج ساسة وقادة كثير من الأحزاب أمام أولئك الشباب أم أن أولئك القادة دخلوا الطابور خلسة؟ بل ذهب البعض إلى القول بأن بداية هذا التحول بدت بهم وا غوثاه هذا أيم الحق الخطل عينه، فالثورات تجمع وتحوي في أحشائها وتهضم وتقدم الجديد المبتكر وليس الشائه المبتسر، وهذا الرأي البائر الذي ما انفك بعض الساسة يلوكونه ليل نهار لدليل أزمة، وليت هذا الرأي جاء بعد مخاض دراسة متعمقة لما حدث عبر حوارات جريئة ومتوثبة نحو الحقيقة والبعد عن التزيد والعزة بالإثم، والمدهش أن هذا الرأي فتن به وافتتن به ساسة كثر، كل هذا يمور على ساحتنا وبعض من قادة أحزابنا في شغل شاغل فلا هم في نفير عتبة ولا عير أبو سفيان، الكل مشدود بقضايا لا صلة لها بالوطن ومعاش الناس، وفوق هذا وذاك أهملوا أهم التزاماتهم وأولوياتهم، إن كانت لديهم أولويات، وأولى هذه الأولويات قضية الديمقراطية داخل تلك المؤسسات الحزبية العتيقة التي شاخت على مواقعها وعطلت الممارسة داخل أحزابها بالهروب نحو الأمام من الالتزام الديمقراطي بالمؤسسة – إن وجدت – ولكن الشواهد تقول إن أحزابنا في السودان أصابها التشظي والتآكل والتعرية بسبب عوادي الزمان وغياب أهم مصل علاجي داخل الأحزاب وهو الديمقراطية الحقة. ولقد أسس لهذه العلل أولئك الساسة الذين جثموا على انفاس احزابهم منذ ستينيات القرن الماضي ولم تحدثهم أنفسهم حتى اليوم بالرحيل والترجل المؤلم المفجع، فليت قادة أحزابنا التفتوا على مناطق الوهن والهزال في أحزابهم استعداداً لربيع أو شتاء، وذلك بعمل مراجعات دورية وقيام المؤتمرات في مواقيتها وتحديد فترة الرئاسة بدورة أو دورتين، لكن الشاهد أن أولئك القادة الميامين جعلوا من تلك الأحزاب مائدة محدودة المقاعد ومحجوزة لأفراد الأسرة من البنين والبنات والأصهار والمحاسيب والأحفاد وذوي القربى والجار الجنب، مما ادى لما نحن فيه سادرون من تيه تائه جعل الكثرة الكاثرة من الشباب تهجر العمل السياسي وتنصرف لآفاق أخرى متجاوزة تلك الأحزاب الفاسدة في نفسها والمفسدة لغيرها بتجربتها وتجاربها المريرة والمحزنة، فهجرها الشباب غير مبالين بزخرف القول والقول الذي لا يتبعه عمل جاد، إذ أصبحت الأحزاب ضيعة للأبناء حتى لو كان الإبن من ذوي الحصر وعيه يضحك ربات الخدود البواكي يحمل ابن الزعيم على رؤوس العباد من ذوي البلاء والسابقة والإمكانيات ، وكان هذا سبباً من الأسباب التي جعلت الشباب يلجون الساحات ويواجهون الأجهزة الأمنية والرصاص بصدور عارية إلا من الإيمان بالتغيير، الأمر الذي جعل الاحزاب مطية لهم ولأسرهم، فمتى يعي ساسة بلادنا الحقائق ويعود الوعي إليهم لكي نؤسس لتحول ديمقراطي حقيقي ، ولا نملك إلا أن نكرر المثل العربي ذا العبر والمضامين المتجددة، إذ يقول (الخيول المخصية لا تصهل)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *