الجنينة مدينة ظاهرها أخضر وواقعها موشح بسواد الخوف والتوجس والترقب . تتفتح الزهور على جنبات شوارعها وتزبل الابتسامة فوق شفاه اطفالها . وحتى طقسها البديع وامطارها التى تهطل عند نهاية كل أصيل كأنها على موعد مع شفق المغيب لغسل عرق الكادحين ومسح دموع النساء والاطفال من جحيم معسكرات النازحين .
المدينة لم تفوق حتى الآن من الصدمة والنفوس لن تتعافى قريبا من جرح الخيبة فى مقدرة الضغط على الجراح ووقف نزيف قيم المحبة والإخاء والمودة والتعايش الحميم قبل نزيف الدم لأن القيم عندهم موروث يستحق الاحتفاء..
المأساة اكبر من كل التوقعات والمصيبة اعظم من تأطيرها فى حدود جدلية الهامش والمركز بالرغم من ان جميع سكان الجنينة الذين التقينا بهم ناغمين على المركز ليس بسبب مركزية ثقافته وهيمنتها ولكن بسبب غياب حكومته.
اربعة أيام كاملة والمدينة تنزف من اطرافها .حى الجبل موقع قصر السلطان بحر الدين سلطان دار مساليت الذى اثبتت احداثه ان الشيطان يسكن فى التفاصيل ومعسكر ابوذر رالذى اصبح اطلال تحكى عن ظلم الانسان لاخيه الانسان واحياء الجمارك والمدارس والسلام والتضامن والثورة والنهضة وغيرها التى دخلت فى إمتحان البقاء فاما التعايش الذى يودى الى المجهول او الاصطفاف الذى يؤدى الى المحرقة.
كرندق التى كانت تحتضن النازحين وهى آمنة اصبحت تأخذ ارقاما متسلسلة للمأساة بسبب غياب القانون وهيبة الدولة فكرندق (ون) لم تاتى من فراغ وكرندق (تو) نتاج لتماهى الدولة مع الفوضى.
تتمظهر آثار ضعف السلطات المحلية وعجزها فى امتلاء مؤسساتها وميادينها بمتضررى الحرب مما ادى الى تعطيل اعمالها وتعطيل عجلة الانتاج فى نفس الوقت.
نعم استقبل اهل الجنينة قافلة وزارة الشؤون الدينية والاوقاف الدعوية والانسانية بمزيج من الحفاوة والعتاب الذى لم يتجاوز حدود المحبة لكنهم شخصوا لها الازمة بمنظار العارفين ببواطن الامور فالمشكلة من وجهة نظرهم ليست مشكلة اجتماعية أو عنصرية انما مشكلة سياسية بامتياز صنعها النظام المباد لعنة الله عليه بخبث حين عبث بالتناقضات التاريخية وقضايا الارض والحواكير . كما انهم يروا ان الحديث عن قيم الاخاء والمودة وحرمة الدماء هو حديث عن ماهو معروف بالضرورة لاهل الجنينة وان مخاطبة الضحايا انفسهم من باب التذكير وفك الاحتقان بينما الذى يجب استهدافه هو عدو متخفى وغريب عن المنطقة والديار..
ان فاتورة الحرب الباهظة وعدم الاستقرار لخصتها المواطنة فاطمة إبراهيم اسحاق باشا بلهجة محلية فصيحة فى ورشة حرمة الدماء فى قاعة جامعة الجنينة وهى تتساءل عن من المسئول من ضياع ما يقارب العشرين عام من عمرها وهى تتنقل مع افراد اسرتها السبعة بين معسكرات النزوح منذ عام ٢٠٠٣ مابين مسترى وكرندق وابوذر وغيرها من المعسكرات وايضا تساءلت فى يأس الى متى سوف يستمر هذا الوضع وما مصير ابناءها بعد ان تقدم بها العمر وكيف يحصلون على حقهم فى العيش المنفصل والتعليم والصحة والعلاج .
اخيرا فان الجنينة مازالت فى فوهة البركان الذى يمكن ان ينفجر فى اى لحظة مالم يتم التعامل مع قضيتها بالعمق المطلوب الذى يتطلب العمل من جميع اجهزة الدولة السيادية والتنفيذية و الاجتماعية والقانونية والعدلية بشكل متناغم لانتاج حل يعيد للمدينة تعايشها المفقود.









