تابعت حلقة تلفزونية شجاعة وصريحة بقناة أمدرمان الفضائية إستضاف فيها الزميل بكري المدني صديقي الصحفي / عبدالماجد عبدالحميد المعروف بشجاعته وجرأته في طرح رؤاه وأفكاره وقوة إنحيازه الحضاري والفكري للحركة الإسلامية السودانية .. وبمجرد ما نزل الترويج للحلقة في الوسائط الإلكترونية حرصت علي حضورها وكنت أظن أن يبتدر بكري المدني الحوار بسؤال مفتاحي وجوهري كمدخل رئيسي للحلقة وهو : ما هو أثر التحول النوعي الذي يتوقع أن تحدثه حركة طالبان الأفغانية علي مسار الحركات الإسلامية في العالم بعد إنتصارها ودخولها كابول بعد عشرين عاما من القتال والصراع ..?!! ويردفه بسؤال آخر : وهل الحركة الإسلامية السودانية بعد سقوط تجربتها في الحكم لديها القدرة علي النهوض وتقديم مشروع سياسي وفكري جديد يستوعب التحولات المحلية والإقليمية والعالمية أم أنها ستقدم ذات خطابها القديم الذي أدخلها ضمن مغالطات فوضي الحروب بالوكالة وتهمة الإرهاب ـ ? ـ حزنت جدا أن الحلقة كانت باردة ولم تخرج من القديم وسؤال الخيانة وإزدواجية القيادة وكيف سقطت الإنقاذ وما الذي أسهم في سقوطها من الداخل ..? في تقديري معظم ما دار في الحلقة من أسئلة مهم ومطلوباته وإجاباته ستكون داخلية أكثر منها خارجية للرأي العام حتي لا تحدث إرتباك وتصبح مدخلا لنزاع وصراع آخر لكن المهم والمنتظر هو الإجابة علي سؤال المستقبل ومعرفة ماهي طريقة تفكير الحركة الاسلامية وماهو مشروعها الفكري والسياسي الجديد لمرحلة ما بعد السقوط .. ? الساحة اليوم مليئة بالأحداث وكل صباح تزداد غموضا وتعقيدا والمنتظر أن تقدم الحركة الاسلامية لأنها متهمة بالإسهام في التعقيد الحاصل وكذلك كل التيارات السياسية أن تقدم أفكار تتجاوز بها المشهد التاكتيكي الراهن الذي إذا إستمر بشكله الحالي والطريقة التي نشاهدها ستنفرط خطوط التماس الملتهبة وسوف تتداعي الأحداث الوطنية تباعا وبشكل ربما لم يتحسب لها الجميع .. ولا أحد اليوم يعلم ماذا خلف بنادق الحركات المسلحة وجيوش الحكومة الانتقالية التي يتنازع اليوم عليها الجميع سياسيين ومخابرات عالمية .. إن منبر إعلامي مثل قناة امدرمان وبرامج بكري المدني منابر مهمة لتحسس وقراءة المفاجآت المتوقعة او تلك التي يحضر لها كل طرف من الخصوم السياسيين برغم أنها معركة حتي الان غير معلومة الزمان والمكان لكن اذا لم ينزع فتيلها سوف يتواجه الخصوم ويتصادمون وجها لوجه لا محالة .. بالعودة إلي تطورات حركة طالبان السياسية وهي الحركة التي وصمت بالإرهاب سابقا وبسببه إختارتها أمريكا كهدف وعدو أول وظل الصراع بينهما مستمرا بالأصالة وبالوكالة ونفذت علي إثره طالبات عمليات نوعية وسقط منها عدد من الضحايا لكن واضح ان طالبان اليوم هي ليست طالبان الملا عمر وهي قد أبقت الولايات المتحدة على عقد ايجار في إفغانستان لعشرين عاما قامت بموجبه ببناء كل البنية التحتية والمدن الأفغانية وقامت الهند ببناء الطرق والخزانات ، وها هي طالبان بإحترافية وبدون أن تخسر أمريكا بل إتخذتها نقطة تحول وحليف إستراتيجي لتستلم افغانستان خالصة بلا ديون وبأقل الخسائر وتكاليف البناء والإعمار .. وقد حقق الأفغان معاني قوله تعالى : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) .. حركة طالبان اليوم تتحول الي حركة سياسية عالية الأهمية إعلاميا ودوليا بعد ما كانت مغضوب عليها ومستهدفة من قبل واشنطن بإعتبارات محاذير الأمن القومي الأمريكي وتهمة الإرهاب ولكن بعيدا عن كل ذلك و إستهدافات وخصومة طالبان الماضية المحلية في أفغانستان ومعادلات الإرهاب الدولي فإن حركة طالبان اليوم قد أسقطت كل هذه التهم التي أغلبها كانت إستهداف وتهم جزافية وبعضها نتيجة أخطاء منهجية إرتكبتها حركة طالبان في الوسائل التي إستخدمتها التي وصل بعضها أسوار المساجد ودور العبادة وأقدس الأماكن لكن اليوم طالبان تفتح فصلا جديدا من ملامحه انه نتيجة تحول فكري ومنهجي وتغيير للوسائل وإستجابة للتحولات الدولية وهي خطوة تعتبر شديدة الخطورة وأكثر تهديدا لخصومها التقليديين داخليا وهي تدخل حراك الراهن بقوة غير متأثرة كثيرا ولا متألمة من ضغوط الماضي والعنف الأمريكي الذي تعرضت له .. فمنذ صباح الاحد الماضي كانت كابول علي موعد مع تفجير من نوع ضخم ضرب قلب العاصمة الأفغانية بعد سيطرة حركة طالبان وإنهيار الجيش وهروب الرئيس .. التفجير الطالباني هذه المرة ليس بسيارة مفخخة إستطاعت أن تخترق الحواجز والنقاط الامنية بالعاصمة كابول وإنما نفذ بذكاء ودهاء سياسي نتيجة دراسة وتحليل للمنهج القديم ووسائله التي أشعلت الحرائق وخلفت عدد غير مسبوق من الضحايا ولتجاوز آلامه وتوابعه الي الابد من خلال الإصلاح وتغيير فساد المنهج الذي كان سبب العزل والتصعيد الذي ضرب فكرة حركة طالبان في الماضي وأمرضها لكنه لم يقتلها وبالتفكير في طرق معالجة المهدد الأمني الافغاني تحولت حركة طالبان من تنظيم داعشي كما زرع في مخيلة الكثيرين الي حليف إستراتيجي لأمريكا ومعروف أن أمريكا أكبر شياطين العالم وقبلته الأولي في التدفق البشري والسيطرة العالمية لذلك واضح ان الطرفين أمريكا وطالبان قد تجاوزا إستهدافات الماضي وأقبلا علي بعضهما حلفاء لا خصوم وبالتالي هذا التحول الخطير جدير بالدراسة والتحليل وسيكون محفز لكثير من الحركات الاسلامية الواعية بتغيير قواعد اللعبة لكن السؤال يظل مطروحا : هل سيلعب الطالبان لحساب الأمريكان أم لصالحهم وفق لعبة المصالح المشتركة ..? تساؤل نطرحه بعد أربعة أيام منذ تولي طالبان مقاليد الحكم والحديث عن تحالف إستراتيجي خفي مع واشنطن للسيطرة علي الحكم ودخول المشهد الي المربع الحالي ـ أو هكذا يبدو حتي الآن علي الاقل في وسائل الإعلام ـ ومشروعية هذا التساؤل مبنية بالأساس علي تقييم الأحداث علي الأرض بناءا علي الماضي القديم والحاضر ـ وإذا كان الأمر كذلك سيكون الواقع الاكثر تعقيدا هل ستواجه امريكا حرب خصوم الافغان القادمة بتحالف تستخدم فيه واشنطن الظهير الاستراتيجي الخفي لطالبان ذخيرتها إذا إحتدم النزال كخطوة أعمق من لعبة الماضي الذي استخدم فيها الطرفين رصاص ونار ودماء .. ننتظر الترويج الرسمي والاعلامي بعد إعلان التحالف والتحول المفاجئ في أفغانستان وننتظر الخطوات العملية إذا تمدد تنظيم القاعدة والدواعش من جديد داخل الأراضي الافغانية بعد تسلم طالبان للحكم هناك .. وهل ستكون طالبان جيش أفغانستان وقواتها الامنية علي بنية حركتها الأصولوية ام ستحدث تحولا جديدا في هيكل الجيش ليستوعب الجميع في (هنكر) واحد …
مقالات ذات صلة
اترك رد









