المقالات

نحو شراكة ذكية مع الجاليات السودانية في دول المهجر (١).. بقلم : وزير مفوض محمد حسن محمد علي بعشوم

 

وزير مفوض محمد حسن محمد علي بعشو
ادارة القانون الدولي والمعاهدات ..وزارة الخارجية

الهجرة أو الاغتراب من أبرز الظواهر التي عرفتها
المجتمعات البشرية وتعني إنتقال الأفراد من دولة إلي أخرى بقصد الإقامة الدائمة أو المؤقتة ، وتتنوع الأسباب التي تدفع الناس للهجرة فهنالك أسباب تتعلق بالدول المستقبلة للمهاجرين (عوامل الجذب ) وهنالك أسباب تتعلق بالدول المرسلة للمهاجرين أو المغتربين (عوامل الدفع ) وتشمل تلك العوامل الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها من العوامل هذا بالإضافة إلي الأسباب الشخصية التي تدفع الناس إلي الاغتراب ، وتختلف تلك العوامل والأسباب من شخص إلي آخر ومن مجتمع إلي مجتمع آخر ومن دولة إلي أخرى.
الحق في الهجرة حق من حقوق الإنسان الأساسية التي أقرتها المواثيق الدولية فقد نصت المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 علي حرية الفرد في التنقل ومغادرة بلده والعودة إليها وكذلك نصت المادة (5) من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع إشكال التمييز العنصري 1965علي ضمان حق كل إنسان دون تمييز في الحقوق المدنية ولاسيما الحق في حرية الحركة والإقامة ومغادرة بلده والعودة إليها ، وكذلك نصت المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 علي حرية الفرد في مغادرة بلده ، ونجد أن المادة (5) من الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية 2019 قد نصت علي حق المواطنين في حرية التنقل والإقامة ومغادرة السودان والعودة إليه وفقا لما ينظمه القانون.
عندما يهاجر المواطن من بلده ويقيم بصورة مؤقتة او دائمة في دولة أخري لا يصبح من مواطنين تلك الدولة ويطلق عليه اسم الأجنبي أو الوافد ونجد إن القانون الدولي يعرف الأجانب بأنهم الأشخاص الذين يقيمون لأسباب متنوعة ولمدد متفاوتة للإقامة داخل إقليم دولة لا يحملون جنسيتها كما تحرص جميع الدول علي سن قانون يتعلق بدخول وخروج وإقامة الأجانب علي إقليم الدولة ويتم تعريف الأجنبي في المواد الأولي من ذلك القانون ، ومثال لذلك نجد إن قانون دخول وإقامة الأجانب بجمهورية مصر والخروج منها 1960 قد نص في المادة الأولى منه على الآتي ( يعتبر أجنبيا في حكم هذا القانون كل من لا يتمتع بجنسية جمهورية مصر العربية ) وذلك للتفريق بين المواطن المصري والأجنبي في الحقوق والواجبات.
وفقا لمبدأ (الاختصاص الإقليمي ) والذي يعني في القانون الدولي سيادة الدول علي أقاليمها فان لكل دولة الحق في وضع القواعد التشريعية التي تنظم وجود الأجانب المقيمين علي إقليمها لذلك يخضع الأجانب لكافة قوانين دولة الإقامة في مجال التشريع والتنفيذ والقضاء ، ورغم ذلك فان سلطة دولة الإقامة في صياغة القواعد التشريعية الخاصة بمعاملة الأجانب ليست سلطة مطلقة ويجب علي دولة الإقامة مراعاة مايعرف بالحد الأدنى لمعاملة الأجانب بالإضافة إلي احترام الاتفاقيات المتعلقة بمعاملة الأجانب.
الحد الأدنى لمعاملة الأجانب لايعني إلزام دولة الإقامة بمعاملة الأجنبي على قدم المساواة مع المواطن وإنما يعني أن تلتزم دولة الإقامة باحترام شخص الأجنبي ومسكنه وحريته في الاعتقاد وحقه في اللجوء إلي القضاء وعدم حبسه إلا إذا ارتكب جريمة وكذلك إحاطته بأسباب القبض عليه وتأمين إمكانية استعانته بمحام وأن تتم محاكمته محاكمة عادلة هذا بالإضافة إلي الاعتراف للأجنبي بالشخصية القانونية والأهلية والحق في إبرام العقود والتصرف في أمواله بكافة أنواع التصرفات ، أما احترام الاتفاقيات المتعلقة بمعاملة الأجانب فنجد أن بعض الدول توقع اتفاقيات ثنائية أو جماعية يتحصل بموجبها المواطنون علي حقوق إضافية أو معاملة تفضيلية تتجاوز الحد الأدنى لمعاملة الأجانب ومثال لتلك الاتفاقيات اتفاقية الحريات الأربع الموقعة بين السودان ومصر ومعاهدة شينغنغ الموقعة بين دول الاتحاد الاروبي ، وحتى في وجود مثل هذه الاتفاقيات لاتصل معاملة الأجانب إلي درجة المساواة الكاملة مع معاملة المواطنين وذلك لاختلاف الروابط التي تربط المواطنين مع دولتهم وهي روابط دائمة والروابط التي تربط الأجانب بدولة الإقامة وهي روابط مؤقتة
معاملة الأجانب داخل دولة الإقامة تتمثل في ثلاث مناسبات عند دخول الأجانب إلي إقليم الدولة وعند الإقامة في إقليم الدولة بعد الدخول وعند الخروج من إقليم دولة الإقامة . فيما يتعلق بدخول الأجانب إلي إقليم دولة الإقامة نجد أن لكل دولة الحق في السماح للأجانب بالدخول إلي إقليمها أو الامتناع عن ذلك انطلاقا من قاعدة الاختصاص الإقليمي للدول علي أراضيها ، وحتى يتمكن الأجنبي من الدخول يجب عليه أن يحمل جواز سفر ساري المفعول وان يحصل علي تأشيرة دخول من إحدى سفارات أو قنصليات الدولة في الخارج أو عند الوصول إلي إقليم الدولة ، ولقد نص قانون دخول وإقامة الأجانب في جمهورية مصر العربية والخروج منها 1960 في المادة (2) منه على انه لا يجوز دخول جمهورية مصر العربية أو الخروج منها إلا لمن يحمل جواز سفر أو وثيقة صادرة من السلطات المختصة بذلك في بلده ، ويجب أن يكون مؤشرا عليها من وزارة الداخلية أو إحدى البعثات الدبلوماسية ، كما نصت المادة (3) من القانون نفسه على انه لا يجوز دخول جمهورية مصر العربية أو الخروج منها إلا من الأماكن التي يحددها وزير الداخلية بقرار يصدره وبإذن من الموظف المختص ويكون ذلك بالتأشير على جواز السفر أو الوثيقة التي تقوم مقامه . هنالك حالات يتم الاتفاق فيها بين الدول على الإعفاء المتبادل للأجانب من شرط الحصول على تأشيرة الدخول وهنالك حالات يتم فيها الاتفاق على الإعفاء المتبادل لفئات محددة ومثال لذلك الاتفاق بين السودان وجمهورية مصر على إعفاء حملة الجوازات الدبلوماسية والرجال فوق سن الخمسين عاما وجميع النساء والأطفال دون سن السادسة عشر من شرط الحصول على تأشيرة دخول للدخول لأي من البلدين الشقيقين، وهنالك حالات يتم الاتفاق فيها بين الدول على تجاوز شرط جواز السفر والحصول على تأشيرة الدخول ويسمح لمواطني تلك الدول بالدخول الي اراضي الدولة ببطاقة الهوية ومثال لذلك مواطني دول الاتحاد الاروبي.
إذا سمحت الدولة للأجنبي بالدخول إلي إقليمها تلتزم في معاملته بعدم النزول عن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب وفي المقابل يجب علي الأجنبي الالتزام بكافة قوانين دولة الإقامة ولقد نصت المادة (13) من قانون دخول وإقامة الأجانب بجمهورية مصر العربية والخروج منها 1960على أن يقدم الأجانب خلال مدة إقامتهم في جمهورية مصر العربية متى ما طلب منهم جواز السفر أو الوثيقة التي تقوم مقامه وغير ذلك من الأوراق وان يدلوا بما يسالون عنه من بيانات وان يتقدموا عند الطلب إلي وزارة الداخلية أو فروعها أو مقر الشرطة المختصة في الميعاد التي يحدد لهم كما يجب عليهم في حالة فقد أو تلف جواز السفر أو الوثيقة إبلاغ الشرطة خلال ثلاثة أيام من تاريخ الفقد أو التلف ، كما تنص المادة (16) على أن يكون كل أجنبي مقيم في جمهورية حاصلا على ترخيص بالإقامة بها وعليه أن يغادرها حال انتهاء إقامته ، وكذلك نصت المادة (23) على انه لا يجوز للأجنبي الذي رخص له الإقامة لغرض معين أن يخالف ذلك الغرض إلا بعد الحصول على إذن بذلك من مدير مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية . كذلك يستفيد الأجنبي أثناء إقامته في دولة الإقامة من الامتيازات التي تتجاوز الحد الأدنى لمعاملة الأجانب والتي منحت له بموجب اتفاق بين دولته والدولة التي يقيم فيها ومثال لذلك الاتفاق بين السودان ومصر على إعفاء مواطنين البلدين الشقيقين من شرط تسجيل الأجانب بالإضافة إلي منح مواطني البلدين بموجب تأشيرة الدخول إلي البلدين فترة إقامة لمدة 6 شهور.
فيما يتعلق بخروج الأجنبي من الدولة التي يقيم عليها فمن حق الأجنبي مغادرة تلك الدولة بإرادته في أي وقت يشاء فيه وليس لسلطات دولة الاقامه أن تمنعه من المغادرة وعلى الأجنبي الالتزام بأحكام القوانين الداخلية لدولة المتعلقة بالمغادرة كما اشرنا من قبل الي المادة (2) من قانون دخول واقامة الأجانب بجمهورية مصر العربية1960 التي تشترط الحصول علي جواز سفر ساري المفعول والمادة (3) من القانون نفسه التي تلزم الأجنبي بمغادرة جمهورية مصر من المناطق المحددة التي يحددها وزير الداخلية . هنالك حالات يغادر فيها الأجنبي الدولة التي يقيم عليها دون رغبته أي أن تجبره تلك الدولة على المغادرة ويتحقق ذلك عندما ترحيل الأجنبي أو إبعاده أو عند تسليم الأجنبي بناءا على طلب تسليم بسبب ارتكابه جريمة أو صدور حكم ضده في دولته وهو ما يعرف بتسليم المجرمين . قرار إبعاد الأجانب احد الأعمال التي تعكس سيادة الدولة على إقليمها ولذلك تتمتع فيه الدول بسلطات تقديرية واسعة وهو قرار يصدر من الجهة المختصة بدولة الإقامة وتطلب فيه من الأجنبي الذي يقيم بصفة شرعية مغادرة الدولة إذا كان وجود ذلك الأجنبي يهدد امن الدولة أو سلامتها أو اقتصادها أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو كان الأجنبي عالة على الدولة ، ونجد أن قانون دخول وإقامة الأجانب بجمهورية مصر والخروج منها 1960 قد نص في المادة (25) منه على سلطة وزير الداخلية في إصدار قرار إبعاد الأجانب . يتم إدراج اسم الأجنبي الذي تم إبعاده في قوائم المحظورين من دخول الدولة مرة أخرى إلا بإذن من الجهة المختصة ونجد أن المادة (31) من قانون دخول وإقامة الأجانب بجمهورية مصر والخروج منها 1960 قد نص على انه لا يسمح للأجنبي الذي سبق إبعاده بالعودة إلي جمهورية مصر العربية إلا بإذن من وزير الداخلية . أما الترحيل فهو إجراء قانوني يتم اتخاذه ضد الأجنبي الذي يتواجد بصفة غير شرعية في إقليم الدولة أو ضد الأجنبي الذي يخالف قوانين دولة الإقامة ويقضي ذلك القرار بترحيل الأجنبي إلي بلده ، تنص المادة (31) من قانون دخول وإقامة الأجانب بجمهورية مصر العربية والخروج منها 1960 على انه يجوز لمدير مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية أن يأمر بترحيل الأجانب في عدد من الحالات منها إذا دخل الأجنبي البلاد بطريقة غير مشروعة أو عدم حصوله على ترخيص بالإقامة بعد نهاية المدة الممنوحة له بموجب تأشيرة الدخول أو مخالفة الغرض الذي حصل من اجله على الإقامة ، والأجنبي الذي يتم ترحيله ليس هنالك ما يمنع قانونا دخوله إلي البلاد مرة أخرى إذا استوفى الشروط اللازمة للدخول . أما تسليم المجرمين فهو يقصد به تسليم الأجنبي إلي دولة اخرى تطلب تسليمه لمحاكمته علي جريمة ارتكبها ذلك الأجنبي أو لتنفيذ عقوبة حكمت بها إحدى محاكمها ضده ، ولا يوجد في القانون الدولي المعاصر ما يفرض على الدولة التزاما قانونيا بتسليم المجرمين لذلك تلجا الدول إلي إبرام الاتفاقيات الثنائية أو الجماعية المتعلقة بتسليم المجرمين وكما تحرص الدول على إصدار التشريعات الداخلية التي تنظم عملية تسليم المجرمين ، ومثال لتلك الاتفاقيات اتفاقية الرياض للتعاون القضائي بين الدول العربية والتي تضمنت عددا من الأحكام المتعلقة بتسليم المجرمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *