الأخبار

من الإسناد إلى المساءلة.. تقرير أممي يفتح ملف الدور الإماراتي في حرب السودان

سونا / الخرطوم _ عزة برس

أعاد التقرير الأخير لبعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان قضية الإسناد الخارجي لمليشيا الدعم السريع إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد أن وثق وجود شبكات عابرة للحدود لتجنيد وتدريب ونقل مقاتلين وأسلحة وذخائر وتكنولوجيا عسكرية وخدمات لوجستية إلى المليشيا، وحدد بصورة صريحة دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن الدول التي تعمل منها كيانات ووسطاء ومجندون مرتبطون بهذه الشبكات.

ويرى خبراء ومحللون أن أهمية التقرير تكمن فى وضع الإمارات ضمن بنية شبكة متكاملة تضم شركات ووسطاء ومجندين ومسارات عبور، بما يضعها أمام المسأله لاسهامها فى انتهاكات القانون الدولى الانسانى والقانون الدولى لحقوق الإنسان والتحقيق فيها بما فى ذلك كل الانتهاكات التى حدثت بحق اهل الفاشر وزمزم ، وكل ماحدثته المليشيا المتمردة من انتهاكات بحق المواطنين اضافة الى دورها فى تزويد المليشيا بالسلاح والمسيرات التى تستهدف البنية التحتية من كهرباء ومياه ومرافق صحية .

ويقول مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية والخارجية د. امجد فريد فى منشور صحفى ان تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي تم تقديمه لمجلس حقوق الإنسان اليوم وثّق مقدار التورط الاماراتي في سفك دماء السودانيين واستمرار الحرب واتساع نطاق الانتهاكات ضد المدنيين. وتابع وفي مواجهة هذه الحقائق، جاء البيان الإماراتي مجدداً محمّلاً بخطاب التبرير وصرف الأنظار عن الدور الذي توثق الأدلة والتقارير الأممية مساهمتها في تمكينه ودعم الجرائم التي تحدث في السودان منذ 15 أبريل 2023.

وتابع بالقول لقد ان للعالم ان يلتفت الي الحقائق التي ظل يتجاهل النظر اليها، ويعمل بشكل جاد على وقف اكبر كارثة انسانية في زمننا المعاصر تسببت فيها الحرب التي تشنها مليشيا الدعم السريع المدعومة من نظام اولاد زايد الحاكم في ابوظبي.

وفى السياق يقول فيليب دام، مدير هيومن رايتس ووتش في الاتحاد الأوروبي “يؤكد تحقيق الأمم المتحدة بشأن السودان أن أفراداً وكيانات من الإمارات يشكلون محوراً مركزياً في شبكات توفير المقاتلين والأسلحة والدعم اللوجستي لمليشيا الدعم السريع. ومع ذلك، لا يزال جهاز العمل الخارجي الأوروبي يتقاعس عن التحرك. ويبعث فيليب برسالة الي كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، و أنيت فيبر، الممثلة الخاصة للاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي بأن الوقت قد حان للتحدث بوضوح وفرض العقوبات على الكيانات الإماراتية المتورطة.”

الإمارات.. الحلقة المركزية في شبكة الإمداد :

ووفق البعثة الأممية، توجد أسباب وجيهة للاعتقاد بأن كيانات خاصة ووسطاء ومجندين يعملون من دول بينها الإمارات وكولومبيا استخدموا مواقع عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال لتسهيل إيصال الأفراد والتدريب والأسلحة والخدمات اللوجستية إلى مليشيا الدعم السريع.

ويعتبر محللون أن هذه الصياغة تحمل دلالة مهمة، لأنها تتحدث عن منظومة تضم شركات ووسطاء وعمليات تجنيد ونقل وتدريب، الأمر الذي يجعل البحث في الكيانات التي تعمل من الإمارات ومساراتها المالية واللوجستية جزءاً أساسياً من فهم كيفية وصول الدعم العسكري إلى المليشيا.

وتتسق هذه المعطيات مع تحقيقات وتقارير دولية سبقت التقرير الأممي، تحدثت عن شركات أمنية مقرها الإمارات شاركت في تجنيد مقاتلين أجانب لصالح المليشيا . كما وثقت تقارير حديثة مشاركة ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري كولومبي سابق إلى جانب المليشيا، بينهم متخصصون في تشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية والأسلحة المتطورة.

تشاد.. الممر الغربي للإمداد:

تظهر تشاد في التقرير الأممي بوصفها واحدة من مواقع العبور التي استخدمتها الشبكات العابرة للحدود لتسهيل وصول الأفراد والأسلحة والخدمات اللوجستية إلى المليشيا.

وتكتسب الأراضي التشادية أهمية استراتيجية بسبب موقعها المباشر على الحدود السودانية، ولا سيما بالنسبة إلى العمليات في دارفور.

كما تتبعت رويترز في تحقيق نشرته في يوليو 2026 رحلات طائرات شحن من نجامينا إلى مراكز لوجستية مرتبطة بالمليشيا ، من بينها الكفرة في ليبيا ونيالا في دارفور، ما يوضح الأهمية التي اكتسبتها المنطقة في حركة الإمدادات المرتبطة بالحرب.

شرق ليبيا.. قاعدة خلفية ومسار للمرتزقة والسلاح:

أما شرق ليبيا، فقد برز خلال السنوات الماضية باعتباره أحد أهم المسارات المرتبطة بإمداد المليشيا، خصوصاً عبر منطقة الكفرة.

وكان فريق خبراء الأمم المتحدة قد وثق استخدام قاعدة الكفرة ومرافق أخرى في ليبيا كنقاط عبور للمقاتلين الكولومبيين، كما أشار إلى استخدام الأراضي الليبية في نقل الوقود وقطع غيار المركبات وتسهيل وصول مقاتلين إلى المليشيا.

وتشير تقارير وتحقيقات أخرى إلى أن شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر لعبت دوراً في توفير بيئة لوجستية تسمح بمرور الإمدادات والمقاتلين عبر الأراضي التي تسيطر عليها، مع وجود علاقة استراتيجية مع الإمارات، التي تعد من أبرز الداعمين الإقليميين لحفتر.

وتذهب تحليلات غربية إلى أن هذا التشابك بين النفوذ الإماراتي في شرق ليبيا وشبكات الإمداد المتجهة إلى مليشيا الدعم السريع يمثل أحد المفاتيح المهمة لفهم استمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين إلى دارفور.

مسارات متعددة:

ويرى محللون أن انتقال مسارات الإسناد إلى أكثر من اتجاه يعكس تغيراً في طبيعة الحرب فى السودان ؛ فالدعم الخارجي لم يعد مرتبطاً بممر واحد، وإنما بات يعتمد على شبكة متعددة المسارات يمكن أن تمتد من الإمارات إلى شرق ليبيا وتشاد، وصولاً إلى القرن الأفريقي.

وتشير تحليلات متخصصة فى منصات اعلامية إلى أن الإمارات أعادت تنظيم طرق إمدادها للمليشيا ، مع ظهور إثيوبيا كأحد المسارات الجديدة، إلى جانب مسارات أخرى في المنطقة.

شبكة واحدة.. وظائف مختلفة:

ويخلص المحللون إلى أن الصورة التي ترسمها التقارير المختلفة يمكن قراءتها باعتبارها شبكة ذات وظائف متكاملة:

الإمارات: مركز للشركات والوسطاء والتمويل والتجنيد وفق ما تثيره التقارير والتحقيقات.

تشاد: ممر جغرافي ولوجستي رئيسي باتجاه دارفور.

شرق ليبيا: عمق خلفي ومسار للمقاتلين والمعدات، ولا سيما عبر الكفرة، مع ارتباط قوات حفتر بهذه الشبكة.

إثيوبيا: مسار جديد باتجاه النيل الأزرق، وفق تقارير وتحليلات حديثة.

وهذا يكشف الطبيعة الإقليمية المتزايدة للحرب فى السودان.

وتبرز هنا أهمية ما أكدته بعثة تقصي الحقائق الأممية من أن المساءلة يجب ألا تقتصر على المنفذين المباشرين للانتهاكات، وإنما ينبغي أن تمتد إلى من يأمر أو يمول أو يزود أو يسهل ارتكاب الجرائم الدولية.

وبالتالي، فإن السؤال الذي تطرحه الحرب لم يعد فقط: من ارتكب الجريمة؟ وإنما أيضاً: من وفر القدرة على ارتكابها فى الفاشر وزمزم ؟ ومن موّلها؟ ومن جنّد المقاتلين؟ ومن درّبهم؟ ومن نقلهم؟ ومن فتح لهم مسارات العبور؟ ومن وفر المعدات والتكنولوجيا العسكرية؟

هو ما أجاب عنه تقرير الخبراء نفسه فى سياق بيانه بالقول : خلص التقرير إلى وجود أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن كيانات خاصة ووسطاء لوجستيين ومجندين يعملون انطلاقا من بلدان، من بينها كولومبيا والإمارات العربية المتحدة، استخدمت نقاط عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال لتيسير إيصال الأفراد والتدريب والأسلحة والإمدادات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع في السودان.

وتأتى تصريحات منى رشماوي، عضوة بعثة تقصي الحقائق فى سياق التقرير لتجيب على الأسئلة بالقول، إن الدعم الذي تلقته مليشيا الدعم السريع ساهم في عملياته في مخيم زمزم وخلال سيطرته على مدينة الفاشر، “حيث وثقت البعثة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وجرائم دولية، بما في ذلك سلوك يحمل سمات الإبادة الجماعية”.

وهو ايضا ما عبر عنه المحللون ان تسمية الإمارات في تقرير أممي بشأن السودان تنقل ملف الإسناد الخارجي إلى مرحلة جديدة تستدعي المساءلة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *