
تقرير سياسي _ سونا / عزة برس
أثارت جلسة مجلس الأمن الدولي التي عقدت، الاثنين، بشأن الأوضاع في السودان، ولا سيما القضايا المتعلقة بالوضع الإنساني وحماية المدنيين وحظر الأسلحة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، جدلاً واسعاً حول طبيعة المقترحات المطروحة وانعكاساتها المحتملة على مسار الحرب في السودان.
وشهدت الجلسة مداخلات من عدد من الدول أكدت، وفق ما ورد فيها، أهمية احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، فيما انصب جانب من النقاش على تدفق الأسلحة إلى أطراف الصراع، والقيود المفروضة بموجب قرارات مجلس الأمن، فضلاً عن سبل حماية المدنيين والتعامل مع الأزمة الإنسانية.
وعُقدت الجلسة بدعوة من مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس، وترأسها وزير الخارجية الدنماركي، وتناولت جملة من القضايا المرتبطة بالحرب في السودان، من بينها الأوضاع الإنسانية، وحماية المدنيين، وتدفق الأسلحة إلى مناطق القتال.
ويرى مراقبون أن التركيز على مقترح توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض بموجب القرار 1591 ليشمل جميع أنحاء السودان، بدلاً من اقتصاره على إقليم دارفور، يطرح تساؤلات بشأن طبيعة الإجراء المقترح وتأثيراته المحتملة على مسار العمليات العسكرية، خاصة في ظل التطورات الميدانية المتسارعة.
كما يرى مراقبون أن النقاش داخل مجلس الأمن يعكس حجم الاهتمام الدولي والإقليمي بالأزمة السودانية، في وقت تتداخل فيه الأبعاد السياسية والإنسانية والأمنية للحرب، وتتزايد فيه الدعوات إلى وقف القتال وحماية المدنيين والتوصل إلى تسوية تنهي الحرب.
توجيه المواقف لصالح المعتدين..
وقال الخبير الاستراتيجي والأكاديمي دكتور عثمان حسن عثمان لسونا إن الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة لعقد جلسة مجلس الأمن لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان تثير، بحسب تقديره، عدداً من التساؤلات حول أهداف التحرك الأمريكي وطبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه مثل هذه التحركات في إدارة الصراع.
وأضاف عثمان أن مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط مسعد بولس يواصل، وفق رؤيته، مساعيه للتأثير في إدارة الصراع السوداني، بما يتقاطع مع مواقف أطراف إقليمية ومحلية، معتبراً أن بعض التحركات الدولية يمكن أن تؤثر في موازين الحرب ومسارها.
وأوضح أن تقييم أي مبادرة دولية، في رأيه، ينبغي ألا ينفصل عن الواقع الميداني وطبيعة الصراع وتدفق السلاح إلى أطرافه، مشيراً إلى ضرورة النظر إلى الإجراءات المقترحة بصورة شاملة حتى لا تكون لها نتائج عكسية على جهود إنهاء الحرب.
حتمية انتصار الجيش
وأشار عثمان إلى أن التطورات الميدانية الأخيرة تعزز، بحسب تقديره، فرص انتصار القوات المسلحة، في مقابل تراجع قوات الدعم السريع، وقال إن الدعوات الرامية إلى فرض قيود على حركة القوات المسلحة يمكن أن تمنح الدعم السريع فرصة لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة قدراته العسكرية.
وأضاف أن التطورات العسكرية الأخيرة شملت استعادة عدد من المدن والمواقع في مناطق مختلفة، إلى جانب الضربات التي تعرضت لها قوات الدعم السريع ومواقع تخزين الأسلحة، فضلاً عن ما وصفه بتصدعات داخل صفوفها وتوالي حالات الاستسلام في بعض مناطق العمليات.
ويرى عثمان أن قراءة الوضع العسكري ينبغي أن تكون حاضرة عند مناقشة أي ترتيبات سياسية أو أمنية، لأن فرض قيود غير متوازنة، بحسب تقديره، يمكن أن ينعكس على موازين القوة ويؤثر في قدرة الدولة على استعادة الأمن والاستقرار.
وكلاء الحرب الإقليميون
وقال عثمان إن هذه التطورات جاءت، بحسب تقديره، في وقت ترفض فيه قوى سياسية مؤيدة للدعم السريع دعوة الحوار السوداني ـ السوداني التي طرحها رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
وأضاف أن رفض هذه القوى للحوار لا ينفصل، في رأيه، عن مواقفها السياسية تجاه الحرب، معتبراً أن استمرار القتال يرتبط أيضاً بتداخلات إقليمية ودولية، إلى جانب العوامل الداخلية التي أسهمت في اندلاع الصراع واستمراره.
وأكد أن إنهاء الحرب، وفق رؤيته، يتطلب معالجة جذورها وعدم الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها، مع ضرورة إبعاد التأثيرات الخارجية التي يمكن أن تسهم في إطالة أمد الأزمة.
مقترحات بولس
وأوضح عثمان أن المقترحات التي طُرحت خلال جلسة مجلس الأمن، وخاصة المتعلقة بتوسيع نطاق حظر السلاح المفروض بموجب القرار 1591 ليشمل جميع أنحاء السودان، تستوجب، في رأيه، دراسة دقيقة لآثارها على مجمل المشهد العسكري والسياسي.
وأشار إلى أن المقترح المتعلق بالطائرات المسيّرة يثير تساؤلات بشأن طبيعة القيود المقترحة، وكيفية تطبيقها، والأطراف التي يمكن أن تتأثر بها، ومدى انعكاس ذلك على سير العمليات العسكرية.
ودعا إلى التعامل مع الأزمة السودانية وفق قواعد القانون الدولي، وبما يضمن حماية المدنيين وسيادة الدولة ووحدة أراضيها، مع ضرورة معالجة قضية السلاح بصورة لا تؤدي إلى نتائج تزيد من تعقيد الأزمة.
زخم للمليشيا
ويرى عثمان أن الدعوة إلى عقد الاجتماع يمكن أن تسهم، بحسب تقديره، في منح قوات الدعم السريع مساحة سياسية ودبلوماسية في وقت يشهد فيه الميدان تطورات عسكرية متسارعة.
واستشهد بتصريحات سابقة لمسؤولين دوليين تحدثوا عن ضرورة عدم حسم الصراع عسكرياً، معتبراً أن مثل هذه المواقف يمكن، من وجهة نظره، أن تؤدي إلى إطالة أمد الحرب إذا لم تقترن بضغط متوازن على جميع الأطراف.
وأكد أن الوصول إلى حل للأزمة السودانية يتطلب الاستناد بصورة أساسية إلى إرادة السودانيين، وتهيئة الظروف لحوار سوداني شامل، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي يمكن أن تؤثر في مسار التسوية.
حظر السلاح
من جانبه قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عثمان حامد إن انعقاد جلسة خاصة لمجلس الأمن بشأن الأوضاع في السودان يأتي في ظل استمرار الحرب وما خلفته من أوضاع إنسانية وأمنية وسياسية معقدة.
وأضاف أن اللافت في الجلسة، بحسب تقديره، هو تركيز مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس على مقترح توسيع نطاق حظر السلاح والطائرات المسيّرة ليشمل كامل السودان، بدلاً من اقتصار الحظر على دارفور.
وأشار حامد إلى أن معالجة ملف السلاح ينبغي أن تترافق، في رأيه، مع تناول الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وداعموها، مؤكداً ضرورة عدم إغفال الانتهاكات التي طالت المدنيين والقانون الدولي الإنساني.
وشدد على أن أي مقاربة دولية للأزمة السودانية يجب أن تراعي حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، إلى جانب بحث سبل وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية.
تساؤلات مشروعة
وقال حامد إن ما دار في جلسة مجلس الأمن يطرح عدداً من التساؤلات حول طبيعة المقترحات الأمريكية وأهدافها، وما إذا كانت تستهدف الدفع نحو تسوية سياسية شاملة، أم أنها يمكن أن تؤثر في موازين الصراع على الأرض.
وأضاف أن الحديث عن التحول الديمقراطي والسلام يجب أن يترافق، في رأيه، مع معالجة الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وعدم تجاوز ما ارتكبته الأطراف المختلفة من جرائم وانتهاكات بحق المدنيين.
وأكد أن حماية المدنيين لا ينبغي أن تكون منفصلة عن معالجة أسباب استمرار تدفق السلاح، كما ينبغي أن تشمل جميع الانتهاكات دون انتقائية، حتى تكون أي جهود دولية أكثر قدرة على تحقيق السلام والاستقرار.
مرحلة حاسمة
وأشار حامد إلى أن الحرب في السودان دخلت، بحسب تقديره، مرحلة حاسمة في ظل التطورات العسكرية التي تشهدها عدة محاور، خاصة في كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
وأضاف أن التحرك الدبلوماسي للحكومة السودانية خلال الفترة الماضية أسهم في طرح رؤيتها بشأن طبيعة الحرب وأبعادها الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أهمية التحركات الخارجية التي تقوم بها القيادة السودانية لتعزيز علاقات السودان مع الدول المختلفة.
ويرى حامد أن هذه التحركات، إلى جانب التطورات الميدانية، تفرض على المجتمع الدولي التعامل مع الأزمة السودانية بصورة متوازنة، والنظر إلى جذور الحرب وتداعياتها الإنسانية والأمنية والسياسية، وصولاً إلى حل يحفظ وحدة السودان وسيادته ويضع حداً لمعاناة المواطنين.
قراءة في مآلات التحرك الدولي
وتشير مجمل الآراء التي طُرحت في أعقاب جلسة مجلس الأمن إلى أن الملف السوداني بات يتحرك في مسارات متوازية، تجمع بين الضغط الدبلوماسي، والملف الإنساني، وقضية حظر الأسلحة، والتطورات العسكرية على الأرض.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الأطراف الدولية ضرورة حماية المدنيين وإنهاء الحرب، تظل طبيعة الإجراءات المقترحة ومدى توازنها بين أطراف الصراع محل نقاش، خاصة في ظل اختلاف المواقف بشأن كيفية الوصول إلى السلام، وما إذا كان ذلك يتم عبر تسوية سياسية عاجلة أم بعد تغيرات أكبر في موازين القوى على الأرض.
وبحسب الآراء التي تناولت الجلسة، فإن أي تحرك دولي تجاه السودان يحتاج إلى مقاربة شاملة تراعي سيادة الدولة ووحدة أراضيها، وتعمل على وقف تدفق السلاح، وحماية المدنيين، ومعالجة الوضع الإنساني، مع الدفع نحو حوار سوداني شامل.
وتبقى القضية الأساسية، وفق هذه الرؤية، هي الوصول إلى صيغة تنهي الحرب وتمنع استمرار معاناة السودانيين، مع ضمان أن تكون عملية السلام قائمة على إرادة وطنية سودانية.











