الأخبار

مفكر سوداني: حميدتي والإسلاميون ضحايا “الغباء الأيديولوجي”.. والنخب تآمرت على الدولة

.
​بورتسودان: محمد مصطفى

​شهد منتدى “إعادة بناء وإعمار العقل السياسي السوداني” بمدينة بورتسودان، في جلسته الحوارية السادسة التي نظمها “مركز دراسات وأبحاث القرن الأفريقي”، محاضرة قوية ومثيرة للجدل قدمها المفكر د. محمد جلال هاشم تحت عنوان: “خطاب الكراهية في سياق الدولة الوطنية: بين خطاب الكراهية وشروط الدولة الوستفالية”.
​الثقافة مقابل الأيديولوجيا
​وفي تفكيكه الفلسفي للأزمة، فرّق د. هاشم بين “الثقافة” التي وصفها بأنها مرنة وتتدفق كالماء لتدير الصراعات وتحفظ الحياة، وبين “الأيديولوجيا” التي اعتبرها “فيروساً خطياً ستاتيكياً” وأوهاماً منظمة تؤدي في النهاية إلى “صناعة الغباء المطبق” وتدمير النسيج الاجتماعي.
​”الأيديولوجيا عبارة عن فيروس يسافر عبر الثقافات ليقتلها، وهي مطلقة في أحكامها وغير نسبية، ووظيفتها النهائية هي قتل الحياة.” — د. محمد جلال هاشم
​ظاهرة “حميدتي” والانتحار السياسي
​وضرب د. هاشم مثالاً حياً على ما أسماه “الغباء الأيديولوجي” بظاهرة قائد قوات الدعم السريع “حميدتي”. وأشار إلى أن الأخير كان يمثل الرجل الثاني في الدولة ويمتلك أموالاً وجيشاً، وكان بمقدوره سياسياً تفكيك قواته تدريجياً عبر منحهم معاشات أو دمجهم، والتحول إلى لاعب سياسي مدني يبني المدارس والمستشفيات لكسب الشرعية. إلا أن “الوهم الأيديولوجي المنظم” اشتراه وأقنعه بإمكانية حكم البلاد عبر تدمير مؤسسات الدولة، وهو ما اعتبره هاشم تدميراً مباشراً وشاملاً لشروط بقائه الشخصي والسياسي.
​اعتراف الترابي ومأزق الإسلاميين
​وفي السياق ذاته، كشف د. هاشم عن شهادة تاريخية نقلاً عن باحثة في أطروحة دكتوراه التقت بالراحل د. حسن الترابي، حيث سألته عن سبب وصول الدولة في عهدهم إلى هذا المستوى من الفساد والمظالم، فأجابها الترابي قائلاً: “يا بنتي نحن اكتشفنا أن الدولة أكبر مننا”. واعتبر هاشم أن هذه الكلمة هي أصدق ما قاله الترابي، مشيراً إلى أن الإسلاميين حاولوا إدارة دولة وطنية حديثة بعقلية “فقه المدينة” القديم، وعندما فشلوا في قيادتها نحو المستقبل وعجزوا عن فهمها، لم يتبقَ لهم خيار سوى تخريبها وإفسادها.
​النخب والجيش: “غباء وضغينة” تقود إلى التدمير ومغازلة الميليشيات
​وفي إطار تحليله لبنية السلطة في السودان، أكد د. محمد جلال هاشم أن تعزيز السلطة لا يتم بشكل عشوائي، بل يرتكز تاريخياً في مؤسستين رئيسيتين: المؤسسة الإثنية والمؤسسة العسكرية.
​وأوضح هاشم أن الوحدات العسكرية تلتف دائماً حول مؤسستها وتؤيد الانقلابات ليس حباً في الانقلاب لذاته، بل حفاظاً على تماسك المؤسسة العسكرية وحمايتها من الانقسام أو الدخول في حرب داخلية فرعية، مشيراً إلى أن “الإسلاميين” (الكيزان) عندما قاموا بانقلابهم لم يستطيعوا السيطرة الكاملة على الجيش أو تذويبه، لأن الجيش السوداني مؤسسة قديمة ومبنية بعقيدة صلبة تجعله أحد أقوى الجيوش، ولذلك لجأوا إلى إنشاء الميليشيات الموازية كبديل لعجزهم عن تطويعه.
​وشنّ د. هاشم هجوماً عنيفاً على النخب المتعلمة والسياسية التي تصدرت المشهد بعد الثورة (في إشارة إلى قوى إعلان الحرية والتغيير “قحت”)، واصفاً موقفها تجاه المؤسسة العسكرية بـ “الغباء والضغينة التاريخية”. وأضاف أن الشعب السوداني خرج في ثورة عظيمة يطالب بالمدنية، إلا أن الجهات التي تولت تمثيل الثورة كانت تحمل أجندة مغايرة تماماً، حيث سعت إلى تفكيك وحل الجيش السوداني مدفوعة بتلك الضغينة.
​وتساءل مستنكراً عن طبيعة تحالف هذه النخب مع العسكر والميليشيات بعد فض الاعتصام، واصفاً سلوكهم السياسي بالمتناقض:
​”لقد استعنا بهذه النخب وجئنا بهم من أجل إزالة تمكين النظام البائد وتحقيق التحول المدني، فإذا بهم يتحالفون مع العسكر، والآن يتباكون ويزعمون أنه جيش الكيزان”.
​وضرب هاشم مثلاً ساخراً يوضح مأزق النخب السياسية، مشبهاً إياهم بشخص دفع أموالاً طائلة لأحدهم لينظف له بيتاً متسخاً من آثار الميليشيات (الجنجويد)، وعندما عاد ووجد البيت مدمراً بالكامل، وبّخ المنظف قائلاً: “أنا أعلم أن الجنجويد عاثوا فيه فساداً، لكنني أعطيتك المال لتنظفه لا لتشترك معهم في تدميره!”، معتبراً أن النخب مارست ذات السلوك حينما غازلت الميليشيا وشاركت في شرعنة وجودها.
​وختم د. هاشم حديثه بالإشارة إلى التقارير الدولية التي أكدت تأثر اقتصاديات ثماني دول محيطة بالسودان جراء الحرب المستمرة، مؤكداً أن تلك الدول كانت تعتمد بشكل مباشر على موارد السودان، وأن ما يحدث اليوم من خطاب كراهية وتدمير ممنهج هو نتاج لـ “بنية هيكلية” مشوهة تديرها نخب سياسية عميت عن مصالح بلادها العليا بسبب الأيديولوجيا والضغينة السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *