
.
بورتسودان: محمد مصطفى
في إطار حراك فكري متكامل يهدف إلى مراجعة بنية التفكير السوداني، استضاف منتدى “إعادة بناء وإعمار العقل السياسي السوداني” بمدينة بورتسودان الجلسة الحوارية السادسة ضمن سلسلة بناء الدولة الوطنية، والتي نظمها “مركز دراسات وأبحاث القرن الأفريقي” تحت عنوان عريض: “خطاب الكراهية في سياق الدولة الوطنية: بين خطاب الكراهية وشروط الدولة الوستفالية”.
وقد شهدت الجلسة محاضرةً قدّمها المفكر د. محمد جلال هاشم، وُصِفت بأنها “أجرأ تشريح فكري” للأزمة الراهنة؛ حيث فكك فيها جذور خطاب الكراهية والحرب، متتبعاً خيوطها التاريخية والسياسية ليقدم تشخيصاً جذرياً لانفجار الأوضاع في السودان وصعود العنف.
1. مفهوم الدولة الوستفالية وعوائق التحديث:
أكد الدكتور محمد جلال هاشم، من خلال المنتدى ومحاضرته التي قدمها، أن الأزمة السودانية في جوهرها هي أزمة وعي وبنية تفكير، تستدعي تفكيك مآزق الماضي لتأسيس وعي مستقبلي رصين. وفي هذا السياق، أشار هاشم إلى أن الدولة الوطنية الحديثة وُلدت عالمياً إبان اتفاقية وستفاليا عام 1648 وفق معيارين صارمين: المواطنة والوحدة في التنوع.
إلا أن الدولة السودانية عجزت عن تمثيل هذا النموذج، وبدلاً من إدارة تنوعها الثري، “احتبست في بوتقة الانصهار القسري” عبر تبني مشاريع صهر أحادية، مما حوّل التنوع من مصدر قوة إلى وقود للصраعات، وعطّل مسار التحديث المدني ليقيد الدولة في مربع القبلية والجهوية البدائية.
2. مصنع الاغتراب و”غبينة الأفندي”:
وانتقل محمد جلال بالتشخيص الفكري إلى الماكينة التي أنتجت النخبة المأزومة، متمثلة في نظام التعليم التقليدي الذي وُصِف بأنه “مصنع للاغتراب الثقافي”، إذ يجعل المتعلم نافراً من بيئته المحلية ومحتقراً لجذوره. واستدل د. هاشم بدراسة ميدانية أنجزها عام 2014 بمنطقة “السكوت” شمال السودان، كشفت كيف أن هجرة الشباب للزراعة لم تكن بدافع قلة الموارد، بل بسبب “نموذج الأفندي العائد” الذي يكرس النظرة الدونية للقرية. هذا الاغتراب أنتج ما يُعرف بـ”حقد النخبة وغبينتها على شعبها”، وهو ما يفسر السلوكيات السياسية والاجتماعية الغريبة، كدعم البعض للعدوان على بيوتهم ومؤسسات وطنهم مدفوعين بنكوص نفسي لخصه الشاعر محمد المكي إبراهيم بقوله: “ملعون أبوك بلد”.
3. انهيار “تعزيز السلطة” ومآلات جغرافيا الكراهية:
تناول المنتدى بالتحليل جغرافيا خطاب الكراهية ومحركاته السياسية، الاقتصادية، الإعلامية، والتاريخية؛ حيث تم توظيف هذا الخطاب كأداة شعواء للصراع على السلطة والموارد، مما أدى إلى انهيار مبدأ “تعزيز السلطة” (Legitimacy) القائم على إعلاء المصلحة العامة.
ووجه د. محمد جلال هاشم نقداً لاذعاً للنخبة المدنية (قحت) التي قادت المشهد بعد الثورة، متهماً إياها بخيانة شعار “مدنية” عبر التحالف لـ 23 شهراً مع المكون العسكري ووصف ذلك بـ”أذكى شراكة”، قبل أن تنقلب لمهاجمته بعد الفشل، واصفاً مسلكها بأنه ألحق بالشعب ما لم يعقله حد قوله.
4. فيروس الأيديولوجيا في مواجهة ماء الثقافة:
في تأصيله الفلسفي، فرّق هاشم بين مفهومين:
الثقافة: وهي بمثابة “معمل توليد السلطة والذكاء الاجتماعي”، وتتميز بكونها مرنة، تعددية، وتدفقها كتدفق الماء لا حياة بدونها.
الأيديولوجيا: وهي “الوهم المنظم” أو الفيروس الديناميكي الذي يشوه الواقع لخدمة أفكار مطلقة، وتعمل السلطة والمال على تقويته.
وطبّق هاشم هذه النظرية على ظاهرة “حميدتي”، واصفاً إياه بأنه جسّد قمة “الغباء الأيديولوجي”؛ فرغم وصوله للرجل الثاني في الدولة وامتلاكه للمال والجيش، اشترته الأيديولوجيا وأقنعه “الوهم المنظم” بإمكانية الحكم عبر تدمير الدولة، وهو ما يُعد تدميراً مباشراً لشروط بقائه الشخصي.
5. التهميش المزدوج وأثر الخطاب على نسيج الدولة:
خلص الدكتور محمد جلال هاشم إلى أن السودان بات يعيش تحت وطأة “تهميش مزدوج”؛ فلم يعد التهميش جغرافياً بالأطراف فحسب، بل طال حتى الناطقين بالعربية في المركز عبر الاستلاب لصالح “مركز عروبي” خارجي. واعتبر د. هاشم أن الحرب الحالية هي امتداد لصراع عمره 500 عام منذ دخول الثقافتين العربية والإسلامية على مؤسسة الدولة في “سنار”.
وقد حذر المنتدى من أن الأثر المباشر لهذا الخطاب المأزوم لم يعد معنوياً فحسب، بل تحول إلى عنف مادي داهم يهدد البقاء المادي للدولة السودانية نفسها، ويصيب العقل السياسي بالشلل التام ويعجزه عن إنتاج أي مشروع وطني جامع.
شروط العبور والمناعة الوطنية:
إن العلاج الحقيقي ومفتاح العبور نحو الدولة الوستفالية المدنية الحديثة لا يكمن في فرض المزيد من صهر الهويات، بل في تفكيك الخطاب المأزوم وبناء بدائل وطنية راسخة تُعلي من شأن “المواطنة” وتدير “الوحدة في التنوع”. فالدولة السليمة هي التي تمتلك مناعة ذاتية ضد الكراهية؛ والانسجام العرقي ليس ضامناً بدليل انهيار دولة الصومال المنسجمة عرقياً. المخرج ينحصر في استعادة الثقافة كآلية لإنتاج الذكاء الاجتماعي وحفظ الحياة بعيداً عن أوهام الأيديولوجيا المنظمة.










