الأخبار

من الداش 80 إلى الدي سي-8: قصة المنافسة التي غيّرت صناعة الطيران العالمية

كتب:إبراهيم عدلان

عندما نتحدث عن ولادة عصر الطائرات النفاثة المدنية، فإننا نتحدث في الواقع عن معركة صناعية شرسة دارت رحاها في الولايات المتحدة خلال خمسينيات القرن الماضي بين عملاقين هما بوينج ودوغلاس. ولم تكن تلك المنافسة مجرد سباق لتصنيع طائرة جديدة، بل كانت صراعاً على مستقبل النقل الجوي العالمي بأكمله.

بدأت القصة مع طائرة داش 80 (Dash 80)، وهي ليست طائرة ركاب تجارية في حد ذاتها، بل كانت النموذج التجريبي الذي طورته بوينج على نفقتها الخاصة لإثبات جدوى مشروعها النفاث. وقد شكلت الداش 80 الأساس الذي بنيت عليه لاحقاً طائرتان شهيرتان هما الناقلة العسكرية KC-135 وطائرة الركاب بوينج 707.

كانت بوينج في ذلك الوقت شركة معروفة أكثر في المجال العسكري، بينما كانت دوغلاس هي الملكة المتوجة للطيران المدني. فقد سيطرت طائراتها من طراز DC-3 ثم DC-4 وDC-6 وDC-7 على أساطيل شركات الطيران حول العالم. وكانت شركات الطيران تثق في دوغلاس ثقة شبه مطلقة.

لكن بوينج راهنت على المستقبل.

استثمرت أكثر من 16 مليون دولار من أموالها الخاصة لتطوير الداش 80، وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس الخمسينيات. كان القرار محفوفاً بالمخاطر، فلو فشل المشروع لكان من الممكن أن يهدد بقاء الشركة نفسها.

عندما أقلعت الداش 80 عام 1954 أثبتت أن الطيران النفاث هو مستقبل النقل الجوي. وبعد ذلك بوقت قصير ظهرت بوينج 707 التي دخلت الخدمة التجارية قبل منافستها الرئيسية DC-8 بعدة أشهر.

أما دوغلاس، وعلى الرغم من خبرتها الطويلة، فقد وقعت في خطأ استراتيجي مهم. فقد افترضت أن شركات الطيران لن تتخلى بسرعة عن الطائرات المكبسية التي كانت تحقق لها أرباحاً جيدة. ولذلك تأخرت نسبياً في اتخاذ القرار النهائي بتطوير DC-8.

وعندما أدركت دوغلاس حجم التحول القادم كانت بوينج قد سبقتها إلى السوق وحصلت بالفعل على عقود مهمة مع شركات كبرى مثل بان أمريكان.

ومع ذلك لم تكن DC-8 طائرة أقل شأناً من 707. بل إن كثيراً من الطيارين والمهندسين اعتبروها أكثر متانة من منافستها. وتميزت بمقصورة واسعة وإمكانات تطوير كبيرة، كما حققت نجاحاً تجارياً محترماً. لكن السوق كان قد بدأ يميل بالفعل إلى بوينج التي نجحت في استثمار سبقها الزمني وتسويقها القوي.

وفي ستينيات القرن الماضي احتدمت المنافسة أكثر مع ظهور الطائرات عريضة البدن. وهنا أطلقت بوينج مشروعها الثوري 747، بينما قدمت دوغلاس لاحقاً DC-10.

لكن المشهد الصناعي الأمريكي كان يتغير. فقد ارتفعت تكاليف البحث والتطوير بشكل هائل، وأصبحت صناعة الطيران تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة لا تستطيع كثير من الشركات تحملها منفردة.

في عام 1967 اندمجت شركة دوغلاس مع شركة مكدونيل العسكرية لتنشأ شركة مكدونيل دوغلاس. وكان الهدف من الاندماج توفير قاعدة مالية أقوى لمواجهة المنافسة المتزايدة من بوينج ومن الشركات الأوروبية الناشئة.

ورغم نجاح مكدونيل دوغلاس في إنتاج طائرات بارزة مثل DC-10 ثم MD-11 وسلسلة MD-80 وMD-90، فإنها لم تستطع استعادة الهيمنة التي تمتعت بها دوغلاس في الأربعينيات والخمسينيات.

وفي التسعينيات أصبحت المنافسة أكثر صعوبة. فقد نجحت بوينج في ترسيخ موقعها العالمي، بينما بدأت شركة إيرباص الأوروبية بالصعود السريع. وأصبحت مكدونيل دوغلاس تعاني من تراجع الطلبيات وضعف الاستثمارات في برامج الطائرات الجديدة.

وجاءت اللحظة الحاسمة عام 1997 عندما استحوذت بوينج على مكدونيل دوغلاس في صفقة تاريخية بلغت قيمتها نحو 13 مليار دولار.

رسمياً قُدمت الصفقة على أنها اندماج، لكن معظم المؤرخين الاقتصاديين يعتبرونها عملياً استحواذاً كاملاً من بوينج على منافستها القديمة. فاسم بوينج بقي، وإدارتها هي التي قادت الكيان الجديد، بينما اختفى اسم دوغلاس تدريجياً من عالم صناعة الطائرات التجارية.

وهكذا انتهت واحدة من أعظم المنافسات في تاريخ الصناعة الأمريكية.

لقد ربحت بوينج المعركة التجارية، لكن دوغلاس تركت إرثاً لا يقل عظمة. فبدون DC-3 وDC-6 وDC-8 وDC-10 لما تطور النقل الجوي بالشكل الذي نعرفه اليوم.

وإذا كانت بوينج قد أصبحت رمزاً لعصر الطائرات النفاثة، فإن دوغلاس كانت الشركة التي مهدت الطريق لذلك العصر منذ البداية. ولهذا فإن تاريخ الطيران المدني الحديث لا يمكن أن يُروى من خلال بوينج وحدها، بل هو قصة عملاقين تنافسا لعقود، ثم انتهى الأمر بأن احتوت إحدى الشركتين الأخرى، بينما بقيت إنجازات كلتيهما.

طيران بلدنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *