الأخبار

حين يصبح العثور على طفل حديث الولادة خبرًا معتادًا .. أمل أبوالقاسم

كثرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الأطفال مجهولي الهوية وفاقدي السند، الذين يُعثر عليهم في الطرقات، أو بين القمامات، أو أمام المساجد، أو بالقرب من المستشفيات، في أوضاع مأساوية ومزرية. بعضهم نهش النمل جلده الطري، ومن كُتبت له النجاة لا يكون حاله أفضل كثيرًا من ذاك الذي أُخرج من مرحاض.

أسميتها ظاهرة، رغم أن هذه الحوادث قديمة ومتكررة منذ سنوات، وبذات المشاهد المؤلمة، حتى إن بعض الأطفال تعرضوا لإعاقات وتشوهات نتيجة نهش أجسادهم من الكلاب الضالة أو الحيوانات السائبة. وكانت دار المايقوما بالسجانة شاهدًا على كثير من هذه الوقائع القاسية. لكن ما يدعو للقلق اليوم هو التسارع الكبير في تكرار الحوادث، حتى بلغ عدد الأطفال الذين تم العثور عليهم في الشوارع 54 طفلًا خلال شهرين أو أكثر بقليل، بحسب ما تم رصده، والله أعلم بما خفي من الحالات الأخرى ومصائر أصحابها. والمؤسف ان كل ذلك بات خبرا عاديا لا يسترع انتباه أحد أو يحرك شعرة.

الأمر الأكثر غرابة يتعلق بالتوقيت والمكان؛ فالكثير من المدن السودانية، بما فيها العاصمة، استعادت قدرًا من الاستقرار منذ أكثر من عام، وبعضها منذ عامين، كما أن الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها المليشيا تراجعت بشكل كبير وفات أجلها لذلك يبرز السؤال: من أين تأتي كل هذه الحالات الآن؟ وهل الحرب نفسها، بما خلفته من آثار اقتصادية ونفسية واجتماعية، هي السبب وراء ازدياد هذه الظاهرة؟

الحرب لم تدمر المباني فقط، بل دمرت كذلك بنية الأسرة والأمان الاجتماعي. آلاف الأسر تشردت، وملايين الشباب عاشوا سنوات من الفوضى وانعدام الاستقرار، فيما تراجع دور المؤسسات التربوية والدينية والاجتماعية التي كانت تضبط إيقاع المجتمع، ولو بالحد الأدنى.

ومنذ فترة أتابع عبر صفحات “فيسبوك” جهود شباب نذروا أنفسهم لهذه القضية، حتى أصبحوا عمليًا بديلًا للمؤسسات المعنية. ورغم وجود بعض المساهمات الرسمية، سواء من الشرطة عبر أبطال الدفاع المدني الذين نجحوا مرارًا في إنقاذ مواليد من المراحيض مع الحفاظ على أرواحهم، أو من بعض المستشفيات وعلى رأسها مستشفى “النو” بأم درمان التي تتولى رعايتهم الصحية، إلا أن العبء الأكبر يقع على هؤلاء الشباب الذين لا يكتفون بإنقاذ الأطفال، بل يبحثون لهم عن أسر بديلة، ثم يعلنون تبني إحدى الأسر لطفل، لينتقلوا بعدها مباشرة إلى حالة جديدة.

وهنا يبرز السؤال المحير: أين الجهات الرسمية المختصة، وعلى رأسها وزارة الرعاية الاجتماعية وأذرعها المختلفة؟ وهل توقفت أدوار مؤسسات الرعاية مثل دار المايقوما وجففت؟ وهل تتم متابعة هذه الحالات رسميًا؟ أم أن تسليم الأطفال لأسر بديلة يجري بمجهودات فردية دون إطار مؤسسي واضح؟

ما يحدث محير ومقلق على كل المستويات، ويحتاج إلى وقفة جادة من الدولة بأعلى مؤسساتها، لأن الأمر يتعلق بأرواح ومستقبل أطفال لم يختاروا ظروف وجودهم أو الطريقة التي جاؤوا بها إلى الحياة.

الحل الحقيقي لا يمكن أن يبقى معتمدًا على المبادرات الفردية وحدها. المطلوب اليوم نقاش مجتمعي جاد بعيدًا عن المزايدات الأخلاقية والصراخ المعتاد. نحن بحاجة إلى تعزيز الحماية الاجتماعية والاقتصادية للأسر الهشة، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للنساء وتبصيرهم وتوعيتهم ، إلى جانب تفعيل دور الدولة والمؤسسات الدينية والمجتمعية بصورة أكثر واقعية ورحمة.

الأطفال الذين يُعثر عليهم في الطرقات ليسوا مسؤولين عن الظروف التي جاؤوا عبرها إلى الدنيا. المجتمع بأكمله هو من يُختبر أخلاقيًا أمامهم: إما أن يمنحهم حياة كريمة، أو يضيفهم إلى قائمة طويلة من ضحايا الحرب والانهيار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *