
بات من الواضح أن مليشيا الدعم السريع خرجت من المشهد، وأن من تبقى منها إلى جانب المرتزقة ليسوا سوى دمى تحركها مصالح الكبار، بعد أن تحولت الحرب في السودان إلى ساحة صراع إقليمي تتحكم فيها دولتان؛ إحداهما كبرى، والأخرى لا تختلف كثيرًا عن دمى المليشيا نفسها.
وعلى إثيوبيا، التي تسخّر أرضها اليوم للإمارات، أن تدرك أنها ليست سوى ملعب لمحاولة مستميتة وفاشلة للعب في الزمن بدل الضائع. ولو أعملت عقلها قليلًا لأدركت ذلك. فكل دول جوار السودان التي تحالفت مع الإمارات لم تحقق لها نصرًا حقيقيًا، لا ميدانيًا ولا سياسيًا، سوى عبر أذرع من العملاء والخونة، بينما ذهبت الأموال الطائلة التي أُغرقت بها تلك التحالفات خلال السنوات الماضية أدراج الرياح.
لذلك، إما أن إثيوبيا تعاني من سوء تقدير واضح، أو أنها تدرك الحقيقة لكنها تحتاج إلى أموال الإمارات التي تُفتح خزائنها بلا حساب، فيسيل لها لعاب الضعفاء، كما هو حال آبي أحمد الذي يهتز عرشه تحت قدميه.
الإمارات التي تحرقها عودة السودان وعاصمته، التي بدأ أهلها يتدفقون إليها صباح مساء بعد نزوح ولجوء فرضته حرب لعينة لم تُبقِ نفسًا ولا عرضًا ولا مأوى إلا وأصابته. كيف لها أن ترى الخرطوم التي سعت لإفراغها، وهو ما عبّر عنه عبد الرحيم دقلو في ذروة سطوته، حين قال عبارته الشهيرة: «الخرطوم دي إلا تسكنها الكلاب والقطط». وقد كان ما أرادوه لبعض الوقت.
لكن ها هي الخرطوم تنهض من تحت الركام، وتنفض عنها غبار الحرب، وتغتسل من درن المليشيا، لتعود قريبًا بأبهى صورة. أما هم، فإلى أين؟ إمبراطورية وهمية انهارت، وتشرد قاسٍ، ومآلات صفرية، بينما يقبض كفيلهم الريح.
مضى يوم على استهداف مطار الخرطوم، ويومان على استهداف منزل قائد درع السودان أبو عاقلة كيكل، الذي استشهد من أهله نفر كريم وأطفال أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء رجال يدافعون عن وطنهم وأمن شعبهم. لكن ذلك لم يكسرهم، ولم يمرغ أنوفهم كما ظن الأعداء، بل زادهم عزيمة وإصرارًا، وقد لقّنهم كيكل درسًا بظهوره في كردفان متقدمًا الصفوف.
ومع ذلك، مضى يومان ولم نسمع أو نقرأ إدانة دولية توازي حجم الفعل وخطورته. حتى الأمم المتحدة، التي سارعت مؤخرًا إلى إدانة استهداف مستشفى الضعين، لم يصدر عنها موقف مماثل. فهل لأن الاتهام حينها وُجّه إلى الجيش خاضت في الأمر مع الخائضين؟ ولماذا يبدو موقفها في حرب السودان وكأنه كيل بمكيالين؟ وكيف تُقرأ تصريحاتها بشأن عودة المواطنين، وقد حفلت بالتحذيرات والمخاوف على ذات النسق الذي تتبناه منصات المليشيا الإعلامية؟
ما يثلج الصدور أن المواطن السوداني بات أكثر وعيًا، أو لعل التجارب زادته بصيرة، فلم يعد يلتفت إلى الشائعات، ولا ترهبه حملات التخويف التي ترافق كل استهداف للمناطق الآمنة.
أما إثيوبيا، فستكتشف — بعد أن تنتهي الحرب بانتصار السودان الكامل واستعادة كل شبر من أرضه — أنها خرجت من المعركة تجر أذيال الهزيمة والعزلة، هذا إن وجد رئيس وزرائها موطئ قدم ثابتًا في بلاده.











