
متابعات _ عزة برس
لا شك أن الدمار الكبير الذي أصاب مطار الخرطوم، وتدمير عدد مقدر من الطائرات الرابضة، يُعد أثرًا مباشرًا وملموسًا يعكس فداحة ما لحق بقطاع الطيران المدني. فقد تحوّل هذا المرفق الحيوي، الذي كان يمثل مركز الثقل التشغيلي واللوجستي للدولة، إلى بيئة غير صالحة للتشغيل، بعد أن طالت الأضرار مرافقه الأساسية من مدارج، وصالات، وأبراج مراقبة، وأنظمة ملاحة واتصالات.
لقد كان مطار الخرطوم يشكل نقطة ارتكاز لمنظومة متكاملة تشمل النقل الجوي، والملاحة الجوية، والخدمات الأرضية، والصيانة، والتدريب. ومع انهيار هذه المنظومة، لم يتوقف التشغيل فحسب، بل تعطلت سلسلة القيمة بالكامل، مما أدى إلى شلل شبه كامل في النشاط الجوي.
وعلى مستوى شركات الطيران، تكبدت خسائر رأسمالية فادحة نتيجة تدمير الطائرات داخل المطار. هذه الطائرات تمثل أصولًا استراتيجية عالية القيمة، وفقدانها لا ينعكس فقط في ميزانيات الشركات، بل يمتد أثره إلى تقليص القدرة التشغيلية، وارتفاع كلفة الإحلال، وتراجع القدرة التنافسية في الأسواق الإقليمية. كما أن هذه الخسائر تُقوّض فرص التعافي السريع، في ظل بيئة تشغيلية غير مستقرة وارتفاع كبير في تكاليف التأمين وإعادة التأمين.
كما أدت الحرب إلى الإغلاق الكامل للأجواء السودانية، وهو إجراء تفرضه اعتبارات السلامة الجوية في ظل النزاعات المسلحة، إلا أن تبعاته الاقتصادية كانت عميقة. فقد حُرمت الدولة من مورد سيادي مهم يتمثل في رسوم عبور الطائرات (Overflight Fees)، وهي إيرادات تُحصّل مقابل استخدام المجال الجوي ضمن منظومة خدمات الملاحة الجوية.
وتتضاعف أهمية هذا المورد بالنظر إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسودان، الذي يجعله معبرًا طبيعيًا للرحلات الجوية بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا. وبالتالي، فإن توقف الحركة الجوية العابرة لا يعني فقط فقدان دخل مباشر، بل يؤدي أيضًا إلى إعادة رسم مسارات الطيران الإقليمية بعيدًا عن المجال الجوي السوداني، وهو ما قد يستمر حتى بعد انتهاء الحرب إذا لم تُستعد الثقة سريعًا.
ومن منظور اقتصادي، فإن فقدان هذه الإيرادات يُصنَّف ضمن الخسائر السيادية المرتبطة بالخدمات الملاحية، وهي عادة موارد مستقرة ومنخفضة التكلفة التشغيلية. كما أن استعادتها مستقبلًا تتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية، وضمان الامتثال لمعايير منظمة الطيران المدني الدولي، وإعادة دمج السودان في شبكة الحركة الجوية الدولية.
إن ما شهده قطاع الطيران المدني خلال هذه الفترة لا يمكن اعتباره مجرد تراجع مرحلي، بل هو تدهور هيكلي متعدد الأبعاد، يجمع بين التدمير المادي، والخسائر الاقتصادية، والانقطاع التشغيلي. وهو ما يستدعي، في مرحلة ما بعد الحرب، تبني رؤية استراتيجية شاملة لإعادة البناء، لا تقتصر على إعادة الإعمار، بل تمتد إلى إعادة الهيكلة المؤسسية، واستعادة الثقة الدولية، واستقطاب استثمارات نوعية قادرة على إعادة تشغيل القطاع وفق معايير حديثة.
وفي الجزء الثاني، سيتم تناول الآثار التشغيلية والبشرية للحرب، بما في ذلك فقدان الكفاءات، وتوقف التدريب، وتحديات السلامة الجوي.
“صادر عن المركز السوداني لدراسات و أبحاث الطيران المدني”
طيران بلدنا











