
قال رسول الله ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت”، فالكلمة ليست لعبًا، ولا وسيلة عبث، بل مسؤولية عظيمة يُحاسَب عليها الإنسان أمام الله وأمام المجتمع. وفي زمن اختلطت فيه الحدود، وتجرأ فيه البعض على الأعراض والسمعة، وأصبحت الإساءة أمرًا عاديًا، صار لزامًا الوقوف وقفة حازمة تعيد للكلمة وزنها، وللمجتمع توازنه.
إنه لا بد من وجود قانونٍ رادعٍ وصارم لكل من يتطاول على المسؤولين ورموز الدولة، فالدول لا تُبنى وسط الفوضى، ولا تُحفظ هيبتها في ظل التجريح والتشويه المستمر دون حساب. إن احترام مؤسسات الدولة ورموزها ليس تقييدًا للحريات كما يروج البعض، بل هو ضرورة لحفظ النظام، وصيانة الدولة من الانهيار المعنوي قبل المادي.
وفي السودان اليوم، وبعد ما خلّفته الحرب من دمارٍ عميق في البنية التحتية والنسيج الاجتماعي، نحن أحوج ما نكون إلى بيئة مستقرة، يسودها الاحترام، ويغلب عليها العمل الجاد لإعادة البناء والتقويم. فلا يمكن لدولةٍ أنهكتها الحروب أن تنهض في أجواء مليئة بالإساءة، والتجريح، وإضعاف الثقة في كل من يتصدى للمسؤولية. لذلك، يجب أن يُسأل ويُحاسب كل من يسيء إلى المسؤولين ورموز الدولة، ليس حمايةً للأشخاص، بل حمايةً لمسار البناء نفسه، وتهيئةً لجوٍ مريحٍ يساعد على العمل والإصلاح.
في زمن أصبحت فيه الكلمة أخطر من السلاح، وأسرع انتشارًا من النار في الهشيم، تقف وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي في السودان اليوم على مفترق طرق حاسم؛ إما أن تكون أداة بناء ووعي، أو معول هدم وانحلال. وللأسف، فإن الواقع يشير إلى أن الكفة تميل بشكل مقلق نحو الفوضى والانفلات، في ظل غياب واضح للمساءلة، وضعف في الضبط، وتهاون في تطبيق القانون.
لقد أصبحت الميديا، بمختلف أشكالها، ساحة مفتوحة لكل من هبّ ودبّ، دون ضوابط مهنية أو أخلاقية. تُنشر الشائعات بلا رقيب، وتُغتال السمعة بكبسة زر، ويُستباح الذوق العام تحت شعارات الحرية الزائفة. فهل هذه هي الحرية التي نطمح إليها؟ أم أنها فوضى مقنّعة، تُستخدم لتصفية الحسابات، ونشر الكراهية، وتمزيق النسيج الاجتماعي؟
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أصبح القيل والقال، والكلام الفارغ، مادةً دسمةً تتصدر المشهد الإعلامي، وتجد رواجًا واسعًا يفوق بكثير ما يُطرح من قضايا الدين، والعلم، والتربية. فأصبحت التفاهة تُكافأ بالانتشار، والسطحية تُحتفى بها، بينما تُهمَّش الموضوعات الجادة التي تُسهم في بناء الإنسان ورفع وعيه. وهذا التحول الخطير يعكس خللًا عميقًا في بوصلة الاهتمام المجتمعي، ويطرح تساؤلات مقلقة حول مستقبل الأجيال القادمة.
وإذا نظرنا إلى تجارب دول أخرى، نجد أن كثيرًا من الدول العربية، خاصة في مصر ودول الخليج، وضعت قوانين رادعة لكل من يسيء إلى الآخرين عبر وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية. هناك ضوابط واضحة، ومساءلة حقيقية، وعقوبات تُطبّق على من يتجاوز الحدود، مما ساهم في الحد من الانفلات، وحماية الأفراد والمجتمع من الإساءة والتشهير.
أما في السودان، فإن المشهد يبدو مختلفًا تمامًا؛ إذ يكاد يغيب وجود قوانين فاعلة أو ضوابط حقيقية تُنظم هذا الفضاء، مما فتح الباب واسعًا أمام التجاوزات، وأعطى البعض شعورًا زائفًا بأنهم فوق المحاسبة. وهذا الغياب لا يضر بالأفراد فقط، بل يهدد استقرار المجتمع، ويُضعف الثقة بين أفراده.
إن الاستخدام الخاطئ لوسائل الإعلام لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل تحول إلى ظاهرة تهدد القيم المجتمعية، وتؤثر بشكل مباشر على وعي الأجيال. نرى محتوىً هابطًا يتصدر المشهد، ولغة متدنية تُستخدم بلا حياء، وأفكارًا دخيلة تُروّج دون اعتبار لعادات المجتمع وتقاليده. كل ذلك يحدث في ظل صمتٍ مريب، وكأن الأمر لا يعني أحدًا.
هنا تبرز المسؤولية الكبرى لولاة الأمر. فالدولة ليست مجرد كيان سياسي، بل هي راعية للقيم، وحامية للأخلاق، وضامنة لسلامة المجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن ترك الميديا دون ضوابط واضحة، أو قوانين رادعة، يفتح الباب أمام مزيد من التدهور والانحلال.
إن مقولة “من أمن العقاب أساء الأدب” تنطبق تمامًا على واقع الميديا اليوم. فحين يغيب الحساب، يتمادى البعض في الإساءة، وحين لا توجد عواقب، يصبح التجاوز هو القاعدة لا الاستثناء. لذلك، فإن الحاجة ملحّة لوضع تشريعات صارمة تنظم العمل الإعلامي، وتحدد المسؤوليات، وتُحاسب كل من يتجاوز الحدود.
لكن الحل لا يكمن فقط في القوانين، بل أيضًا في نشر الوعي، وتعزيز التربية الإعلامية، وتشجيع المحتوى الهادف. يجب أن يكون هناك دعم حقيقي للإعلام النزيه، ومحاسبة لكل من يسيء استخدام هذه المنصات، سواء كان فردًا أو جهة.
ختامًا، إن السودان اليوم لا يحتمل مزيدًا من الفوضى، بل يحتاج إلى تضافر الجهود، وإلى بيئة نظيفة تحترم الكلمة وتُقدّر المسؤولية. وعلى ولاة الأمر أن يدركوا أن ضبط الميديا ليس تضييقًا، بل هو أساسٌ من أسس البناء، وأن هيبة الدولة واحترام رموزها جزء لا يتجزأ من طريق التعافي والنهوض. فإما أن نُحسن استخدام هذا السلاح، أو ندفع جميعًا ثمن فوضاه.
ولنا في المسيد بقيه ✍️











