السودان بين روح رمضان وبشائر الانفراجة في الخرطوم بقلم: اللواء أركان حرب أشرف فوزي – خبير أمني مصري

خبير أمني مصرى
السودان بين روح رمضان وبشائر الانفراجة في الخرطوم
بقلم: اللواء أركان حرب أشرف فوزي
مع إشراقة شهر رمضان المبارك، تتبدل ملامح المشهد في السودان الشقيق، ليس فقط روحياً وإيمانياً، بل ميدانياً وإنسانياً، حيث بدأت بوادر انفراجة نسبية تتشكل على الأرض داخل العاصمة الخرطوم ومحيطها، بعد شهور من التوترات والاضطرابات التي أثّرت على الأمن والخدمات وحياة المواطنين. ويأتي هذا التحسن في توقيت رمضاني بالغ الدلالة، إذ تتعاظم قيم الصبر والتكافل والتماسك المجتمعي، لتصبح جزءاً من معادلة الاستقرار التدريجي.
أضاف اللواء أركان حرب أشرف فوزي أن قراءة المشهد الحالي في الخرطوم تكشف أن الانفراجة لم تأتِ بصورة مفاجئة أو شاملة، بل جاءت عبر مؤشرات متراكمة بدأت تظهر في نطاقات جغرافية محددة داخل الخرطوم الكبرى، شملت أجزاء من وسط العاصمة وبعض الأحياء التي شهدت تراجعاً نسبياً في حدة التوتر الأمني، وهو ما سمح بعودة حركة المواطنين بشكل تدريجي ومدروس، خاصة في الفترات النهارية وقبيل أوقات الإفطار.
وأوضح أن من أبرز مظاهر هذه الانفراجة عودة التشغيل الجزئي للخدمات الأساسية في بعض المناطق، حيث تم استئناف عمل شبكات الكهرباء والمياه بشكل متدرج، مع تحسن ملحوظ في انتظام الإمدادات مقارنة بالفترات السابقة، إلى جانب تشغيل محدود لبعض المرافق الصحية والمراكز الطبية، الأمر الذي أسهم في تخفيف المعاناة اليومية للمواطن السوداني خلال الشهر الفضيل، الذي تزداد فيه الاحتياجات المعيشية والإنسانية.
واستطرد اللواء مؤكداً أن الانفراجة تتجلى بوضوح في عودة الأنشطة التجارية المحدودة داخل بعض الأسواق المحلية والأحياء السكنية، حيث بدأت المحال الصغيرة في فتح أبوابها تدريجياً لتلبية احتياجات المواطنين، خاصة السلع الغذائية الأساسية المرتبطة بشهر رمضان، مثل الدقيق والتمور والزيوت، وهو ما يعكس تحسن سلاسل الإمداد ولو بصورة نسبية، بعد فترات من التعثر والانقطاع.
كما أشار سيادته إلى أن الجسور والمحاور الرئيسية داخل الخرطوم شهدت تحسناً نسبياً في حركة التنقل، مع زيادة حركة المركبات وعودة بعض وسائل النقل في نطاقات آمنة، الأمر الذي أعاد قدراً من الحيوية إلى الحياة اليومية، وساهم في تسهيل وصول المواطنين إلى أماكن العمل والمستشفيات ومراكز الخدمات. وهذه المؤشرات الميدانية تُعد من العلامات الدقيقة على استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الحضري داخل العاصمة.
وأضاف الخبيرالامنى المصرى أن عودة بعض المواطنين إلى منازلهم في أحياء محددة تمثل نقطة تحول نفسية وأمنية مهمة، إذ تعكس ارتفاع مستوى الثقة النسبي في الوضع الأمني، حتى وإن ظل الحذر قائماً. كما بدأت تظهر مبادرات مجتمعية لإعادة تنظيف الشوارع وإصلاح الأضرار البسيطة في المرافق، وهو ما يعكس انتقال المجتمع من مرحلة الصدمة إلى مرحلة التكيف وإعادة البناء التدريجي.
ومن الزاوية الإنسانية، فإن شهر رمضان لعب دوراً محورياً في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل السودان، حيث انتشرت موائد الإفطار الجماعية والمبادرات الخيرية التي تستهدف الأسر المتضررة، وهو ما أسهم في تخفيف الضغوط المعيشية، وتعزيز روح التضامن بين المواطنين. إن هذه المظاهر الرمضانية ليست فقط طقوساً دينية، بل أدوات استقرار مجتمعي تسهم في تهدئة الأجواء وبناء الثقة بين مكونات المجتمع.
وأوضح اللواء أشرف أن الانفراجة الحالية ترتبط أيضاً بتحسن نسبي في وصول المساعدات الإنسانية إلى بعض مناطق الخرطوم، وبدء تنظيم عمليات الإغاثة بشكل أكثر انتظاماً، الأمر الذي انعكس إيجابياً على توفر الاحتياجات الأساسية، خاصة في الأحياء التي عانت من نقص حاد في الخدمات خلال الفترات الماضية.
كما أن عودة النشاط الديني داخل المساجد بشكل تدريجي، خاصة في صلوات التراويح والتجمعات الرمضانية المحدودة، تعكس تحسن الإحساس بالأمان لدى المواطنين، حيث أصبحت هذه التجمعات الروحانية تمثل رسالة صمود حضاري تؤكد أن المجتمع السوداني ما زال قادراً على الحفاظ على هويته الدينية والثقافية رغم التحديات.
وأكد فوزي أن هذه الانفراجة، وإن كانت جزئية وغير مكتملة، إلا أنها تحمل أبعاداً استراتيجية مهمة، فهي تشير إلى بداية انتقال المشهد من حالة الانفلات النسبي إلى مرحلة التثبيت الأمني وإعادة تشغيل مفاصل الحياة الأساسية. كما أن انتظام الخدمات ولو بشكل تدريجي يُعد مؤشراً واقعياً على قدرة مؤسسات الدولة والمجتمع على استعادة التوازن في ظل ظروف معقدة.
واختتم اللواء المصرى بالتأكيد على أن توقيت هذه الانفراجة مع شهر رمضان يمنحها بُعداً معنوياً عميقاً، إذ يتزامن التحسن الميداني مع تصاعد الروح الإيمانية التي تدفع نحو الصبر والتكاتف وإعلاء مصلحة الوطن. إن ما تشهده الخرطوم اليوم من عودة تدريجية للخدمات، وتحسن نسبي في الأمن، وعودة المواطنين إلى أحيائهم، يمثل بداية مسار التعافي، وليس نهايته. ومع استمرار هذه المؤشرات الإيجابية، يمكن للسودان أن يمضي بخطوات ثابتة نحو استعادة الاستقرار الشامل، مستنداً إلى وعي شعبه، وصلابة مؤسساته، وروح رمضان التي تُحيي الأمل في أحلك الظروف وتؤكد أن الفرج يبدأ دائماً من صمود الإنسان وتمسكه بوطنه.







