الأخبار

شئ للوطن.. م.صلاح غريبة يكتب: الرحم الثاني والأم الكبرى: بيئتنا.. عقيدة وحضارة

[email protected]

البيئة ليست مجرد مساحة نعيش عليها أو موارد نستهلكها، بل هي “الرحم الثاني والأم الكبرى”. هذا التشبيه العميق يختزل فلسفة متكاملة تجاه الطبيعة، تنتقل بها من كونها مادة جامدة إلى كائن حي، له علينا حق الرعاية والاهتمام، تماماً كحق الوالدين. إنها الوعاء الذي يحتضن وجودنا، والأم التي تمدنا بالحياة، لذا فإن صونها ليس رفاهية بيئية أو إجراءً تكميلياً، بل هو جزء أصيل من عقيدتنا، وأساس متين لحضارتنا.
لقد أكد الدين الإسلامي، منذ اللحظات الأولى لنشأته، على هذه العلاقة التكافلية، حيث اعتبرت البيئة هي “كتاب الله المنظور”، الذي تتجلى فيه عظمة الخالق. هذا المنظور يحوّل التعامل مع البيئة من مجرد واجب أخلاقي إلى عبادة نتقرب بها إلى ربنا. فكل تفكر في قطرة المطر أو ورقة الشجر هو “آية”، وكل صون للطبيعة هو صون لـ “صنعة الله”.
إن التراث النبوي ليس مجرد مجموعة من النصوص الأخلاقية، بل هو ميثاق إنساني خالد يضع أسس الاستدامة البيئية قبل أن يصبح هذا المفهوم مصطلحاً عالمياً. فحديث “ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً…” يرسخ مبدأ الاستدامة الزراعية ويواجه تحديات مثل الاحتباس الحراري عبر تحويل النشاط الاقتصادي المتمثل في الزراعة إلى عبادة متواصلة، رصيدها من الحسنات لا ينقطع ما دام نفعها مستمراً. هذا الترابط يرفع من شأن العمل البيئي، فلا يعود مجرد جهد دنيوي، بل “أجر وثواب أبدي”.
وعندما تصل ذروة الإيجابية البيئية إلى حد الأمر بغرس فسيلة، حتى “إن قامت الساعة”، فإن الرسالة تتجاوز المنفعة الشخصية والزمن الحاضر إلى الالتزام المطلق بـ تعمير الأرض حتى آخر لحظة. إنه إعلان عن مسؤولية لا تعرف الكلمة الأخيرة، وإقرار بأن دور الإنسان كـ “خليفة” هو العمارة والإصلاح، وليس التخريب والفساد.
الأمر لا يتوقف عند الزراعة وحسب، بل يمتد ليشمل النظافة العامة، عبر القاعدة المحمدية: “إماطة الأذى عن الطريق صدقة”. هذه القاعدة حولت تنظيف البيئة المحيطة من مجرد عمل دنيوي إلى مرتبة عبادية، تعكس نظرة حضارية تتجاوز النظافة الشخصية إلى النظافة البيئية ونشر ثقافة الجمال ومحاربة كل مشاهد القبح والتلوث. كما امتدت الرحمة النبوية لتشمل الحيوان والطير، فحث على سقي كل “كبد رطبة” وجعل فيه أجراً، ونهى عن اتخاذ الكائنات غرضاً للرمي، مما يرسخ مفهوم الحماية المستدامة للكائنات الحية.
إن الحلول لأزماتنا البيئية المعاصرة، لا يجب أن تقوم على القوانين الرادعة فحسب، بل على وازع الضمير الذي يرى في صون الأرض صوناً للعقيدة ورعاية للأمانة. إن البيئة هي أمانة استودعنا الله إياها، ومسؤوليتنا تجاهها هي مسؤولية فردية وجماعية، تبدأ من كل واحد منا في بيته وعمله وطريقه.
في الختام، إن الحفاظ على “الرحم الثاني والأم الكبرى” ليس شعاراً نرفعه في مؤتمر، بل هو ثقافة حياة، وسلوك يومي، وعبادة نرجو بها وجه الله. فكما قال تعالى: ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون﴾، يجب علينا أن نحافظ على هذا الميزان الدقيق، لنجعل من كوكبنا واحة خضراء مزدهرة تليق بمن استخلفه الله في تعميرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *