
لقد ابتلى الله السودان وشعبه، بمجموعة سياسية انتهازية، ظلت متحورة حيوياً دوماً وفق أجندة ومصالح ذاتية دون المصلحة الوطنية العليا وإن ادعت غير ذلك. حيث إنّ كافة أقوالها وخطابها السياسي المتداول المنقول والمتنقل على أفواه قادتها ورموزها ومنسوبيها وألسنتهم، كان يفوح بكريه الكلام تجاه الوطن والشعب ومؤسساته الوطنية دون عدوه، إن لم يسند في كثير من الأحوال ويدعم العدو الميليشي المتمرد، وكذلك كانت أفعالهم في كل مكان وطئته أقدامهم.
هذه المجموعة، قدمت ولم تستبق شيئًا في سبيل نيلها السلطة، والتي عندما فوضت بغير حقٍ وجلست على مقاعدها، قدمت أسوأ نموذج للسلطة السياسية والتنفيذية الانتهازية المخربة عديمة الرؤى والفكر منزوعة الضمير.
هذه المجموعة وللتعريف: كانت تتطور في دورة حياتها الخبيثة بمراحل وأشكالٍ فكانت تجمعاً للمهنيين، ثم توسعت قوىً للحرية والتغيير (قحـــــت)، ثم انفردت بالحكم وكراسي السلطان دون رفقائهم طمعاً وخيانةً (أربعـــــة طويـــــلة)، ثم طردت بأمر الشريك العسكري آنذاك ودفع الوطنيين من عامة الشعب، ثم وضعت يدها في يد آخرين، بل الحقيقة أنها أحنت ظهرها ليمتطي صهوتها -إن كان لها صهوة- المحتل الأجنبي والمستعمر الجديد في نسخته المحدثة والمنقحة الأخيرة (ثلاثية، ورباعية، وجماعة الإطاري)، وما زالت تلهث لهثاً لاستعادة السلطة التي تذوقت حلاوتها وفتنتها لأشهر عدةٍ حتى أقنعت الميليشيا المتمردة ورعاتها بالتعاون -أنا حاضنة السياسة وأنتِ حاضنة السلاح والعسكرية- وأقنعها العدو الميليشي بذلك، فتآمرا على مؤسسات الدولة، وصادما معاً الجيش بتكتيكٍ فطيرٍ واستراتيجيةٍ معطوبةٍ، كانت تهدف لاستيلاءٍ سريعٍ على السلطة توهمته غفلةً أدمغتهم غير الواعية بفعل الطبيعة، أو بوجودٍ مؤثرٍ أنها مهمة سهلة ويسيرة يستقيم لهم بعدها أمر قيادة البلاد وفق إرادتهم وسطوتهم، لكن خاب فألهم وفعلهم، ولكنهم أورثونا حرباً لا يزال يقاتل فيها الجميع ضدهم كل وفق قدرته وموقع جهده وجهاده. ولأجل هذا الغرض الرخيص، تسمت هذه المجموعة باسم (تقـــــدم)، ولفطنة الشعب ووعيه، ما استقرت في وجدان الوطنيين إلّا كـ(تقــــــزم) وهو عين ما يميز هؤلاء الأقزام.
ثم ما فتئت (تقــــدم) تحرض الميليشيا على القتال وتدعي بلسانٍ كذوب غير ذلك بادعائها ورفعها لشعار (لا للحرب) وهي المتحيزة والمتحرفة فعلًا للطرف المعتدي الغاصب الغادر المتمرد، ولما لم تستطيع الصبر وقعت معه اتفاقاً جعلها في حكم الشريك وإن حاولت بأقوال السياسة ومناوراتها التملص من هذا الاتفاق بتغبيش تبريراته وتفسيراته.
بالمقابل، كان الشعب يقف مؤمناً بالله وواثقاً في جيشه الوطني الصبور (جمل الشيل) المتحمل لأحمال وأثقال أخطاء السياسة والسياسيين على مر التاريخ السوداني، فواجه ما واجه منذ صبيحة 15 أبريل 2023 وحتى الآن، وفقد ما فقد من شهداءٍ وجرحى وتحمل كافة صنوف الحصار والمعاناة ولكن بصبره وجلده وتخطيطه المحكم وخبرته المهنية وكفاءة قادته وجنده وكافة منسوبيه، امتص الصدمة واستعاد السيطرة وتمكن من تحقيق كافة أهدافه العسكرية والسياسية وفق استراتيجياتٍ وتكتيكاتٍ متقنة تمضي وتظهر نتائجها كل يومٍ في عمل يجد كل التقدير والاعتبار من كافة الشعب وعامة المراقبين.
ثم انسحبت هذه المجموعة لواذاً وتخفياً وتجمعت كما الصديد في الجسد بالخارج في مواقع شتى، كلها مواقع شبهة ومنصات تآمر ضد الشعب والوطن، وكلها مواطئ انطلاق تهدف للوصول للسلطة على جماجم المواطن والشهداء وسيرًا على شوارع ارتوت بالدماء واعتلاءً لكل خراب وتدمير لمباني ومعاني كان يزخر بها وطننا الحبيب، علهم يصلون إلى القصر أو دونه حكاما جبراً وقهراً.
وهنا، ظهرت هذه المجموعة متحورة متجمعة باسم (تقــــدم) بمباركة الرعاة أصحاب الأجندة الحقيقيون وأُصلاء التآمر على بلادنا، فـ(تقـــدم) ما هي إلّا أداةً من الأدوات، وقادتها ومنسوبيها ما هم إلّا ورق اللعب. لكنّ صاحب (طاولة المقامرة) معروف، وصاحب (الكازينو) كذلك معلوم.
في بدايات الأسبوع الماضي، أرسل السيد القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة، عدة رسائل في بريد عددٍ من الجهات، كان منها هذه المجموعة المتحورة نحو السلطة دومًا وبأي ثمن. وكان من جملة ما أرسله أنه يفتح لهم الأبواب للعودة والتفاوض والمشاركة في العملية السياسية إن تخلوا عن دعمهم للمتمرد الميليشي المقاتل.
ولأنّ المجموعة إنّما فشلت في كل مساعيها وإنّها في سبيل السلطة لا تمانع في فعل أي شيءٍ، عمدت لتسريع خطواتها التي كانت قد بدأتها بالفعل، وهي: الظهور بمظلتين والدخول في عملية تمحور جديدة لكائنات غير حية في واقع حياة السودانيين، وانشطارٍ أميبيٍ تكاثريٍ أنتج خليتين مستحدثتين وإن احتفظت الخليتان بغلافٍ حيويٍ وسائل أمينيوسي Amniotic Fluid يشملهما ويجمعها معًا ويغذيهما، كمزيدٍ من الإيهام للعامة واستمرارًا في السير بخطوات الخديعة والتضليل عسى ولعل.
ويبدو، بل من المؤكد، أنّ الاستراتيجية التي اعتمدت هي التقدم نحو الخرطوم سياسيًا بمحورين، محور يغازل حكومة بورتسودان ويتماهى معها، وهؤلاء سموا أنفسهم بإعلان سياسي منشور (صمـــود)، وأنا أسميهم هنا (البراتسنة) المتعايشين (حتى وإن لم يعترفوا رسميًا بشرعية الحكومة، بل يسمونها حكومة بورتسودان)، ومحور آخر لم يصدر بيانه الرسمي بعد، وهؤلاء هم الراغبون والماضون في مسار عدم الاعتراف بالحكومة الشرعية الموجودة وإعلانهم لحكومتهم في المناطق التي تسيطر عليها القوات والميليشيا المتمردة ومقرها (نيالا)، بالتنسيق مع قيادة القوات المتمردة، ثم محاولة استقطاب الدعم لها والاعتراف المحلي والإقليمي والدولي بها، وهؤلاء هم من نسميهم (النيالوة).
(البراتسنة) يمضون في مسارٍ ناعمٍ مداهن، ويدعمون ويؤيدون الميليشيا سراً، و(النيالوة) يمضون في مسار المخاشنة والمواجهة ولا يستحون من دعم وإسناد وتأييد الميليشيا المتمردة جهراً. ولأنّ فكرة الاستعانة بالميليشيا المتمردة (والتي بدأت من نيالا ولا تزال تدير أمرها فعليًا من هناك)، لتكون رافعة عسكرية نحو السلطة فكرة قديمة سبقت الحرب وكانوا يعملون لها تخطيطًا وتقدما في الواقع، وفي المقابل إن انتقال الحكومة لتدير أمرها من بورتسودان كعاصمةٍ إداريةٍ كان أمراً جديداً ومستحدثا فرضته ظروف الحرب، جاء حديثنا وتصنيفنا للمجموعة المتحولة المتحورة(النيالوة القدامى والبراتسنة الجدد).
ويبقى أخيراً، أن نقول إنّ كل ذلك لن يفوت على فطنة وإدراك الشعب السوداني، هو الذي بيده ومن حقه أن يقرر في مصير ومآلات الحكم والسلطة في السودان، خاصة إنّه من ظل ولا يزال يدفع من ماله، ودمه، وعرضه، وجهده، وعرقه، ووقته، في سبيل تغيير واقع مأزوم ونزيف مستمر تطاول عليه الأمد وارتفعت كلفته كثيرًا.











