الأخبار

روسيا على ضفاف البحر الأحمر: من تكتيك البقاء الحربي إلى إستراتيجية الشراكة السيادية.. قراءة جيو-إقتصادية في مستقبل الدور الروسي في السودان بعد حرب أبريل 2023م. .. إعداد: الدكتور محمد عوض محمد متولي

*الخبير الاقتصادي المشارك – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات.
*نوفمبر 2026م

*أولا: الملخص التنفيذي العربي

تقدم هذه الوثيقة قراءة استراتيجية عميقة في التحول النوعي الذي شهدته العلاقات السودانية الروسية عقب اللقاء التاريخي بين رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان والرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين يوم 30 أكتوبر 2026م على هامش القمة الروسية الإفريقية الثالثة. وتخلص الوثيقة إلى أن السودان انتقل من موقع متلقي الدعم العسكري الظرفي إلى موقع شريك إستراتيجي يملك أوراق تفاوضية قوية تتمثل في ساحل طوله 750 كيلومترا على البحر الأحمر وثالث أكبر احتياطي ذهب في افريقيا وموقع جيوسياسي يربط قناة السويس بالمحيط الهندي. كما تثبت الأرقام الرسمية أن التبادل التجاري تضاعف أكثر من مرتين في 2025م وارتفع بنسبة 25 بالمئة في الفترة من يناير إلى أغسطس 2026م، وأن السودان أصبح ضمن أكبر عشرة شركاء تجاريين لروسيا في إفريقيا، وهو ما يمهد لشراكة تنموية مستدامة تتجاوز منطق السلاح مقابل الذهب إلى منطق التنمية مقابل السيادة.

*Executive Summar –

This strategic paper analyzes the qualitative shift in Sudanese-Russian relations following the historic meeting between General Abdel Fattah al-Burhan and President Vladimir Putin on October 30, 2026. It argues that Sudan has moved from a recipient of ad-hoc military aid to a strategic partner leveraging its 750 km Red Sea coastline and vast gold reserves. Official Kremlin data shows bilateral trade more than doubled in 2025 and grew by an additional 25 percent between January and August 2026, positioning Sudan among Russia’s top ten trade partners in Africa. The paper proposes a sovereign partnership model linking naval logistics, gold and copper mining concessions, grain and fuel storage hubs, and railway extension to Chad as a foundation for post-war reconstruction.

*ثانيا: متن التحليل الاستراتيجي

إن عبارة البرهان الشهيرة في موسكو المتغطي بروسيا دفيان لم تكن مجاملة دبلوماسية عابرة، بل كانت تعبيراََ مكثفا عن حقيقة جيوسياسية جديدة. فروسيا التي إستخدمت حق النقض الفيتو في مجلس الأمن في نوفمبر 2024م ضد مشروع القرار البريطاني رقم 2760 الذي كان يستهدف فرض آليات دولية على السودان، ثم جددت موقفها في أكتوبر 2026م عبر نائبة مندوبها الدائم آنا إيفستيجنييفا عندما قالت بوضوح لن نسمح حتى بمجرد التلميح لتوسيع القيود على السودان عندما اقترحت الولايات المتحدة توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان وليس إقليم دارفور فقط، هذه الدولة تقدم للسودان ما لا تستطيع أي قوة غربية أن تقدمه، وهو الغطاء السيادي الكامل في زمن تتداعى فيه سيادة الدول الضعيفة.

وفي البعد العسكري إن ما يمكن أن تقدمه روسيا بعد الحرب ليس مجرد بنادق كلاشنيكوف، فالاتفاق الأصلي الموقع في 16 نوفمبر 2020م والذي ناقشه البرلمان الروسي الدوما في ديسمبر 2020 م ثم أعيد تأكيده رسمياََ في لقاء وزير الخارجية السوداني علي يوسف الشريف مع نظيره سيرغي لافروف في 12 فبراير 2025م، ينص على إنشاء نقطة دعم مادي وتقني للبحرية الروسية في بورتسودان لمدة 25 عاماََ قابلة للتجديد التلقائي لمدة عشر سنوات إضافية، وتستوعب حتى 300 فرد من العسكريين والفنيين يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية الكاملة، وتستقبل أربع سفن حربية في آن واحد بما في ذلك سفن تعمل بالطاقة النووية، مع استخدام مجاني للبنية التحتية لمطار بورتسودان لنقل المعدات. وهذه الصيغة الذكية التي وصفها الكرملين بأنها مركز لوجستي وليست قاعدة هجومية جاءت لتخفيف حساسية المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر اللتين ترفضان عسكرة البحر الأحمر. ولكن الأهم من القاعدة نفسها هو ما يرتبط بها من منظومة تسليح نوعية، فالجيش السوداني الذي واجه هجوماََ بالمسيرات الانتحارية على بورتسودان نفسها في 5 مايو 2025ََ نفذته قوات الدعم السريع، يحتاج إلى منظومات دفاع جوي إستراتيجية. وقد كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في تقريرها بتاريخ 28 نوفمبر 2025م أن الخرطوم تفاوضت على شراء مقاتلات سوخوي 30 وسوخوي 35 المتعددة المهام ومنظومات إس 300 بي إم يو 2 التي يصل مدى كشفها الراداري إلى 300 كيلومتر ومنظومة إس 350 فيتياز بمدى 120 كيلومتر، وهي منظومات قادرة على تأمين المجال الجوي السوداني بالكامل وإنهاء تهديد المسيرات بشكل نهائي. كما أن روسيا عبر مؤسسة روستيك الحكومية قادرة على إعادة تأهيل منظومة التصنيع الحربي السوداني التي كان مديرها العام الفريق أول ميرغني إدريس عضوا أصيلاََ في وفد البرهان إلى موسكو، وتحويل السودان من مستورد للذخيرة إلى مصدر إقليمي لها في إفريقيا.

وفي البعد الاقتصادي تكمن الثورة الحقيقية. فالأرقام التي أعلنها بوتين بنفسه أمام البرهان ليست تقديرات صحفية بل هي بيانات رسمية من مصلحة الجمارك الفيدرالية الروسية، حيث تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين أكثر من مرتين في عام 2025م مقارنة بعام 2024م، ثم ارتفع بنسبة 25 بالمئة إضافية في الفترة من يناير إلى أغسطس 2026م فقط، ليصبح السودان ضمن أكبر عشرة شركاء تجاريين لروسيا في إفريقيا متقدما على دول مثل كينيا وإثيوبيا. هذا النمو لم يأت من فراغ، فالسودان ينتج وفق تقرير الشركة السودانية للموارد المعدنية الصادر في مايو 2026م حوالي 64.3 طن من الذهب في عام 2024م وحوالي 70 طنا في 2025م في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة، وهو ثالث أكبر منتج في القارة بعد غانا وجنوب إفريقيا، لكن 90 بالمئة منه كان يهرب عبر مطارات غير رسمية، وكانت شبكات مرتبطة بمجموعة فاغنر سابقاََ وشركة إم إنفست الخاضعة للعقوبات الأمريكية تقدر تهريباتها بحوالي ملياري دولار سنويا عبر رحلات جوية كانت تخفي سبائك الذهب تحت صناديق البسكويت وفق تحقيق بلومبرغ 2023م. العرض الجديد الذي قدمه البرهان في الكرملين يقطع نهائياََ مع هذا النموذج الاستعماري الجديد، فهو عرض مربعات تعدينية جاهزة ومحددة في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية للاستثمار المباشر في الذهب والنحاس بتراخيص رسمية وفق قانون تنمية الثروة المعدنية لسنة 2015م، مع إنشاء مصفاة ذهب مشتركة وقنوات مالية بالروبل الروسي لتجاوز نظام سويفت الغربي، وهو ما يعني تحويل مورد الحرب إلى مورد لبناء الدولة.

والإضافة الإستراتيجية المميزة التي قدمها السيد الفريق أول البرهان والتي لم يلتفت لها الإعلام كثيراََ هي مقترحاته الثلاثة المتكاملة التي تجعل السودان بوابة روسيا إلى إفريقيا. المقترح الأول إنشاء منطقة إقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر مساحتها مقترحة 50 كيلومتر مربع قرب بورتسودان لتكون مخازن استراتيجية للوقود والقمح الروسي، وهذا يحل للسودان أزمتي الأمن الغذائي والطاقة المزمنتين حيث يستورد السودان حوالي 2.5 مليون طن قمح سنويا و90 بالمئة من احتياجاته من الوقود، بينما يمنح روسيا مركز توزيع يخدم 400 مليون نسمة في شرق ووسط إفريقيا. المقترح الثاني تطوير شبكة السكك الحديدية السودانية وربط بورتسودان بمنطقة أدري التشادية غربا بمسافة 1400 كيلومتر، وهو المشروع الذي ناقشه رئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان مع شركة السكك الحديدية الروسية آر زد دي انترناشيونال، ويخلق ممر تجاري جديد يربط البحر الأحمر بقلب إفريقيا ويقلل تكلفة نقل الطن الواحد من 120 دولار إلى 35 دولار. المقترح الثالث اتفاقات الطاقة حيث وقعت شركتا الراسي انترناشيونال سيرفس وزوروبيج نفط الروسيتان في أبريل 2026م مذكرة تفاهم مع شركة باشاير لخطوط الأنابيب السودانية لتقديم خدمات حقول النفط وصيانة خط هجليج بورتسودان الذي ينقل 150 ألف برميل يومياََ، وهو ما يعيد إحياء قطاع النفط الذي تراجع إنتاجه من 500 ألف برميل في 2011 إلى 70 ألف برميل في 2025.

وفي البعد الإنساني وبناء القدرات، روسيا تعرض نموذجاََ مختلفا عن النموذج الغربي المشروط. فبوتين أعلن في لقاء البرهان زيادة المنح الدراسية للسودانيين من 100 منحة إلى 140 منحة في العام الدراسي 2027-2028م بزيادة 40 بالمئة، مع التركيز على التخصصات النوعية في الطب النووي والهندسة والذكاء الاصطناعي والزراعة، وهي التخصصات التي يحتاجها السودان في مرحلة إعادة الإعمار التي تقدر تكلفتها وفق البنك الدولي بحوالي 100 مليار دولار. كما وقع الجانبان في سبتمبر 2025م على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقا شاملاََ يشمل التدريب المتخصص للبنك المركزي السوداني على نظام مير الروسي للمدفوعات كبديل لسويفت، وتوريد الأدوية والمعدات الصناعية والأسمدة التي تضاعفت صادراتها الزراعية الروسية بنسبة 35 بالمئة في النصف الأول من 2026م، حيث تضاعفت شحنات القمح الروسي إلى السودان أكثر من مرتين لتصل إلى 1.2 مليون طن في 2025م.

*ثالثاََ: رؤية الدكتور محمد عوض متولي – نموذج الـ 3×3 للشراكة السيادية المستدامة بعد الحرب*

إن التوصية الاستراتيجية التي يجب أن يتبناها صانع القرار السوداني للإنتقال من تكتيك البقاء إلى استراتيجية البناء هي اعتماد نموذج الـ 3×3 الذي صممته من واقع المفاوضات، ويقوم على ربط كل ملف عسكري بملفين إقتصاديين بشكل متلازم لا يقبل التجزئة.
أولاََ: ربط ملف الذهب بملفي القمح والوقود، بحيث لا يمنح أي امتياز تعديني إلا مقابل توريد كميات ثابتة من القمح والوقود بأسعار تفضيلية تقل عن السوق العالمي بنسبة 15 بالمئة على الأقل مع إنشاء مخزون إستراتيجي يكفي ستة أشهر.
ثانياََ: ربط ملف القاعدة اللوجستية البحرية بملفي السكك الحديدية والمنطقة الحرة، بحيث تكون القاعدة جزءا من مشروع تنموي شامل يخدم الاقتصاد السوداني ويوفر 50 ألف فرصة عمل مباشرة.
ثالثاََ: ربط ملف المنح الدراسية ونقل التكنولوجيا بملفي التصنيع الدوائي والتصنيع الحربي، بحيث يعود كل طالب سوداني تخرج من روسيا ليقود مصنعا في السودان، وهكذا نتحول من اقتصاد حرب يموله الذهب المهرب إلى اقتصاد دولة تبنيه المعرفة والسيادة.

*الخاتمة الاستراتيجية الحاسمة*

إن هذه الوثيقة لم تكن مجرد قراءة في حدث دبلوماسي عابر، بل تشريحاََ علمياََ دقيقاََ لتحول تاريخي في معادلة القوة في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وقد أثبت التحليل بالأرقام الرسمية والوثائق الموثقة أن العلاقة السودانية الروسية تجاوزت نهائياََ مرحلة التكتيك الظرفي الذي حكمها منذ عام 2017م، لتدخل مرحلة الشراكة السيادية الإستراتيجية الشاملة التي تقوم على تبادل المصالح الكبرى وليس على تبادل المساعدات الصغرى.

لقد أثبتنا أن روسيا تقدم للسودان بعد الحرب أربع ركائز لا يستطيع أي شريك آخر أن يجمع بينها في وقت واحد، وهي الغطاء السيادي الكامل في مجلس الأمن، والمنظومة الردعية العسكرية النوعية التي تحمي الأجواء والسواحل، والشريان الاقتصادي الذي يربط الذهب بالقمح والوقود والسكك الحديدية والمنطقة الحرة، ونموذج بناء القدرات البشرية غير المشروط الذي ينقل التكنولوجيا والمعرفة بدلا من فرض الوصاية.

وفي المقابل، أثبتنا أن السودان يقدم لروسيا ما لا تستطيع أي دولة إفريقية أخرى أن تقدمه، وهو البوابة الجيو-إقتصادية الوحيدة التي تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وبالعمق الإفريقي، وتجعل من بورتسودان مركزاىى لوجستيا روسيا نحو 400 مليون نسمة في شرق ووسط إفريقيا.

إن الخلاصة التي نضعها أمام صانع القرار السوداني وأمام الباحثين ومراكز الدراسات العالمية هي أن مستقبل السودان بعد الحرب لن يصنع في قاعات المؤتمرات الدولية التي تبحث عن إدارة الأزمة، بل سيصنع في غرف التخطيط التنموي الوطني التي تحسن إدارة أوراق التفاوض السيادية، وتحول الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية، وتحول الذهب من وقود للحرب إلى وقود للبناء، وتحول الشراكة مع روسيا من علاقة سلاح مقابل ذهب إلى علاقة تنمية مقابل سيادة.

وهنا يكمن جوهر نموذج الـ 3×3 الذي قدمناه في هذه الوثيقة، فهو ليس مجرد توصية أكاديمية، بل هو خارطة طريق عملية لبناء دولة ما بعد الحرب، دولة لا تعيش على المساعدات، ولا تخضع للشروط، بل تفاوض من موقع القوة، وتبني من موقع السيادة، وتنهض من موقع المعرفة.

إن السودان الذي صمد ثلاث سنوات في أصعب حرب مرت عليه في تاريخه الحديث، قادر اليوم أن يتحول من دولة تبحث عن البقاء إلى دولة تصنع المستقبل، وأن يجعل من البحر الأحمر ليس مجرد ساحل للصراع، بل جسراََ للتنمية، وأن يجعل من شراكته مع روسيا نموذجاََ عالمياََ يحتذى به في كيفية تحويل الجغرافيا إلى قوة، والقوة إلى تنمية، والتنمية إلى سيادة دائمة.

والله ولي التوفيق

_____________

*رابعاََ: المراجع والمصادر :

1. الكرملين – الموقع الرسمي لرئاسة روسيا الاتحادية – نص لقاء الرئيس بوتين مع رئيس مجلس السيادة البرهان – 30 أكتوبر 2026 – http://Kremlin.ru
2. وكالة تاس الروسية الرسمية – تصريح الرئيس بوتين حول تضاعف التبادل التجاري أكثر من مرتين في 2025 وارتفاعه 25 بالمئة يناير أغسطس 2026 – 30 أكتوبر 2026
3. الشرق للأخبار – تحليل بعد لقاء بوتين والبرهان ما حسابات التقارب بين روسيا والسودان – مقابلة السفير الروسي السابق أنوربيك فازليانوف – 31 أكتوبر 2026
4. صحيفة التيار السودانية – مقال البحر يفتح الأبواب – تفاصيل مقترحات البرهان المنطقة الحرة والمخازن والسكك الحديدية – 31 أكتوبر 2026
5. موقع روسيا بيفوت تو آسيا – Russia’s Pivot to Asia – تقرير العلاقات الثنائية الروسية السودانية تحديث أكتوبر 2026 – بيانات التجارة والقاعدة البحرية
6. وول ستريت جورنال – تقرير مفاوضات السودان مع روسيا لشراء مقاتلات سوخوي 30 و35 ومنظومات إس 300 وإس 350 – 28 نوفمبر 2025
7. وكالة رويترز – هجوم المسيرات على مدينة بورتسودان – 5 مايو 2025
8. الشركة السودانية للموارد المعدنية – تقرير إنتاج الذهب 64.3 طن 2024 – مايو 2026
9. معهد أبحاث التنمية الدولية – Sudan Mining White Paper – تقرير تهريب الذهب 2 مليار دولار سنويا وشبكات إم إنفست وميروي غولد – مايو 2026
10. وزارة الطاقة والنفط السودانية – مذكرة تفاهم مع شركتي الراسي وزوروبيج نفط الروسيتين وشركة باشاير – أبريل 2026
11. مجلس الأمن الدولي – جلسة 30 أكتوبر 2024م – استخدام روسيا حق النقض الفيتو ضد مشروع القرار البريطاني رقم 2760 بشأن السودان
12. الأمم المتحدة – تصريح نائبة المندوب الروسي آنا إيفستيجنييفا حول رفض توسيع حظر السلاح على السودان – أكتوبر 2026م.
_______________

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *