
تتمادى دويلة الشر وتسدر في غيها نحو السودان بوجه مكشوف وغطاء حاسر وهي لا تلوي على شيء، وكيف لها ذلك ومجلس الأمن وكل الجهات المعنية بهكذا عدوان يتماهون مع ما يحدث، ويكتفون بإدانات خجولة ثم ينصرفون لأمرهم، ولا يعيدهم إلى الواجهة سوى تصيد واستهداف تحركات الجيش المشروعة في الدفاع عن الوطن؛ هنا فقط تتنادى المنظمات وغيرها لإدانة غير مشروعة!
العالم والداخل يتابع ويعي تماماً أن الحرب في السودان لم تعد داخلية بين الجيش وعدو متمرد، بل حرب قائمة على الوكالة تتداخل فيها مصالح إقليمية واستراتيجيات تخدم مصالح بعضها وسط صمت دولي يصل حد التواطؤ، ولا غرو ومؤتمر أمس بالخرطوم يتحدث عن مشاركة عشرين دولة في هذا العدوان اللعين.
والإمارات التي يسيل لعابها لذهب وموارد السودان، ولم يكفها ما غرفته طيلة فترة الدعم السريع، تأبى إلا أن تضع يدها عليه كاملاً، ويبدو أن لعنة الذهب ستظل تطارد السودان، والتاريخ البعيد والقريب يحدثنا عن ذلك.
والإمارات التي لم تفلح في إبرام صفقات بشأن ساحل البحر الأحمر والموانئ رغم الشروع في ذلك مسبقاً، تسعى كذلك لأخذ ما عجزت عنه بالقوة وحجز موطئ قدم دائم على الشريط الساحلي السوداني ضمن استراتيجية الموانئ والممرات البحرية.
أما إثيوبيا التي تعاني من حرب داخلية طاحنة ربما تطيح لاحقاً بنظام أبي أحمد، فإنها وللتغطية على ذلك، وبدلاً من الالتفات لما هي فيه، عمدت إلى تصدير أزمتها والهروب إلى الأمام عبر أداء أدوار إقليمية نشطة.
تتقاضى إثيوبيا دعماً مفتوحاً من راعيتها الإمارات لمجابهة أزماتها الاقتصادية والعسكرية، ولتحقيق رغبتهما المشتركة في السيطرة على الفشقة والحدود والمياه. لذلك تعتقدان أنهما بهذه الوسيلة واستخدام المسيرات ستضعفان المركز في الخرطوم وسترهبانه تحت الضغط.
لكنه الغباء بعينه؛ فالسودان أجمع ولطيلة ثلاث سنوات ونصف خاض هذه الحرب واسترد ما أُخذ منه بقوة السلاح والدعم اللوجستي المفتوح وتكالب دول مجتمعة ما أوجعهم، والخرطوم العاصمة تسترد عافيتها ووتيرة الحياة تمضي على قدم وساق رغم الصعاب، بشعب يلتف حول قيادته؛ فهيهات أن تهزه هذه المحاولات التي تدل على جبن بيّن.
ترك الحلفاء الميدان الذي هزمهم شر هزيمة، والجيش ومسانده يمضون بخطى ثابتة نحو تحرير ما تبقى من دنس مليشياتهم ومرتزقتهم. تركوا الميدان بعد أن أصلتهم المعارك هزائم نكراء، وعمدوا إلى تصفية حساباتهم مع المواطنين كما فعلوا سابقاً. ومثلما تنفست الخرطوم وحواضرها هواء الحرية وأعادت بنيانها مرصوصاً، فلن يعجزها إعادة ترميم ما تفعله مسيراتهم الغبية مهما كانت التكاليف.
وللعالم الذي يتماهى مع ما يجري نقول: إن هذا التغاضي والشراكة الضمنية لن يقتصر أثرهما على السودان وحده، بل سيشملان أمن البحر الأحمر وإفريقيا برمتها عبر بؤرة صراع ممتدة وموجات نزوح مستمرة.
وإن كان يظن المجتمعون أن هذا المسلك سيركّع السلطات لقبول هدنة يستميتون لفرضها بشروطهم ويتخذون لها فزاعات مختلفة، فسيخيب فألكم. أما مرتزقة الإمارات من السياسيين الذين يكيلون المواقف والعدوان بمكيالين، فيكفي أن الشعب – ورغم ما يعانيه من ويلات – يلقنكم درساً، ويلقمكم حجراً في كل صباح، ويحطم آمالكم بصخرة صبره ووطنيته.
عاش السودان حراً أبياً شامخاً، وطال الزمن أم قصُر ستتكسر جميع نصال الأعداء والعملاء على صخرته الجلمود.











