الأخبار

من صورة فضائية إلى حملة رقمية.. كيف أصبح الأحمر رمزاً لذكرى الفاشر اليوم؟

وكالات _:عزة برس

أحيا نازحون من مدينة الفاشر، في الذكرى الأولى لسيطرة قوات الدعم السريع عليها، حملة رقمية تعرف باسم «الهاشتاغ الأحمر»، يغيّر المشاركون بموجبها ألوان هواتفهم وحساباتهم إلى الأحمر للتذكير بالانتهاكات التي أعقبت سقوط المدينة في 26 أكتوبر 2025.

وفي مخيم أردمي بشرق تشاد، حوّل مصطفى علي بره واجهة هاتفه بالكامل إلى اللون الأحمر، بما في ذلك تطبيق القرآن الكريم. وقال لموقع «الجزيرة نت» إنه أجرى التغيير قبل يومين من ذكرى سقوط المدينة، باعتباره وسيلة للتعبير عن تضامنه مع الضحايا وتذكير الآخرين بما حدث.

وانطلقت الحملة على منصات التواصل الاجتماعي في 1 ديسمبر 2025، بالتزامن مع مباراة لكرة القدم بين المنتخبين السوداني والجزائري. ودعا منظمو المبادرة آنذاك المشجعين إلى إضاءة شاشات هواتفهم باللون الأحمر خلال الدقيقتين 30 و60 من المباراة، للفت الانتباه إلى الأوضاع الإنسانية في الفاشر.

وامتدت المبادرة لاحقاً إلى نازحين داخل السودان وخارجه. وقال عبد القادر يحيى، وهو ناشط سياسي نازح من الفاشر، إن استخدامها أصبح تلقائياً بين عدد من أبناء المدينة، بالتوازي مع حملات أخرى مثل «الفاشر تنزف» و«ادعموا دارفور».

اللون الأحمر وصور الأقمار الصناعية
وقال أحمد إمام، الناطق الرسمي باسم المقاومة الشعبية في شمال دارفور، إنه غيّر لون شاشة هاتفه وشارك في الحملة، التي باتت تشمل سودانيين من خارج مجتمع النازحين من الفاشر.

وأوضح إمام أن اختيار اللون الأحمر ارتبط بالصور الفضائية التي نُشرت عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة، وأظهرت تغيرات لونية في الأرض المحيطة بها.

وفي 28 أكتوبر 2025، نشر مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل صوراً التُقطت بالأقمار الصناعية في اليوم السابق، قال إنها تظهر بقعاً حمراء وأجساماً فاتحة اللون يتراوح طولها بين 1.3 و2 متر. وذكر المختبر أن هذه الأبعاد تتوافق مع قياسات جسم الإنسان.

وقال ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي للمختبر، إن التحليل أظهر أن التغيرات اللونية حقيقية، وفسّر البقع الحمراء والأجسام الفاتحة بأنها دماء وجثث.

وفي 11 نوفمبر 2025، نشرت هيئة الإذاعة الأسترالية تحليلاً لصور التُقطت في 26 و27 و28 أكتوبر من العام نفسه. وأشار التحليل إلى وجود بقع حمراء في محيط المستشفى السعودي وجامعة الفاشر ومناطق أخرى، إضافة إلى مركبات محترقة تسد طرقاً في غرب المدينة. وربط التقرير هذه المشاهد بما وصفه المختبر بأنه أدلة على عمليات قتل جماعي.

حصيلة القتل والفرار من المدينة
وسيطر مقاتلو قوات الدعم السريع على الفاشر في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار استمر أكثر من 500 يوم. وكانت المدينة آخر معقل كبير للجيش السوداني في إقليم دارفور.

وفي تقرير نشره مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في 13 فبراير 2026، قال المكتب إن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا داخل الفاشر خلال الأيام الـ3 الأولى من الهجوم، بينما قضى أكثر من 1600 آخرين أثناء محاولتهم الفرار.

وحذر التقرير من احتمال ارتفاع الحصيلة الحقيقية، في ظل وجود آلاف المفقودين. وأشارت تقديرات استندت إلى شهادات أكثر من 140 ضحية وشاهداً إلى أن عدد القتلى خلال الأيام الـ3 الأولى ربما بلغ 6000 شخص.

وأصدرت منظمة العفو الدولية، في 22 أكتوبر 2026، تقريراً قالت فيه إن عدد السكان الذين بقوا في الفاشر انخفض إلى أقل من 70 ألفاً، بعدما تجاوز مليون نسمة قبل الحرب، أي بتراجع يزيد على 90%.

وذكرت المنظمة أن القتل غير المشروع والاحتجاز والتعذيب كانت ممارسات متفشية، كما وثقت حالات أُجبر فيها مدنيون على العمل دون أجر لصالح قوات الدعم السريع، بما في ذلك جمع الجثث وإعداد الطعام للمقاتلين.

وتشير بيانات الأمم المتحدة الواردة في التقرير إلى عبور نحو 100 ألف شخص إلى تشاد منذ سقوط المدينة، إضافة إلى نزوح أكثر من 300 ألف شخص داخل السودان.

شهادات عن القتل والاحتجاز
وقال محمد سليمان حامد أتيم، الباحث في علم الاجتماع، لـ«الجزيرة نت» إنه غادر الفاشر في ليلة سقوطها، وشاهد جثثاً في الشوارع وحرائق في الأحياء، بينما كانت أسر تغادر المدينة بحثاً عن الأمان والطعام والمأوى.

وأضاف أنه أوقفه مسلحون من قوات الدعم السريع واحتجزوه عدة أيام، قبل إطلاق سراحه بعد نحو 10 أيام إثر دفع فدية. وأوضح أنه وصل لاحقاً إلى منطقة خارج المدينة دون ممتلكاته، وأن ذكريات ما شاهده خلال فراره لا تزال تؤثر فيه.

واتهم عضو مجلس السيادة الانتقالي صلاح رصاص، في تصريحات للموقع، قوات الدعم السريع بقتل مدنيين داخل المساجد، وفرض حصار أدى إلى نقص الغذاء، قائلاً إن بعض الأسر اضطرت إلى البحث عن علف الحيوانات وقشور الفول السوداني لتأكلها.

وطالب رصاص بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وقال إن الحكومة تعمل على استعادة الفاشر. كما وصف والي شمال دارفور الحافظ بخيت محمد ما جرى في المدينة بأنه إبادة جماعية، مستنداً إلى ما قال إنه تدمير للمستشفيات والمساجد والمدارس وتهجير للسكان.

وفي المقابل، يواصل نازحون من الفاشر محاولة الوصول إلى معلومات عن أقاربهم وممتلكاتهم، وسط مخاوف من الاعتقال والعنف في حال العودة. وقال أحد أعيان المدينة، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إن أحياء عدة تحولت إلى أطلال، وإن الخدمات الأساسية غائبة أو تعتمد على مبادرات فردية.

وأضاف أن وسط المدينة أصبح شبه خالٍ من السكان، وأن الحركة في الأحياء تخضع لمراقبة مشددة، بينما تظل المنازل المدمرة أو المنهوبة والطرق غير الآمنة عوائق أمام عودة النازحين.

رحلة النزوح وفقدان أفراد الأسرة
وقالت مريم آدم، التي نزحت من الفاشر إلى منطقة طويلة في شمال دارفور، إنها غادرت حي الدرجة الأولى مع أطفالها الثلاثة عندما بدأ الهجوم، بعد أن فقدت زوجها في قصف قبل أشهر.

وأضافت أنها قطعت الطريق سيراً على الأقدام طوال 4 أيام، وإنها وصلت إلى مخيم طويلة برفقة طفلين، بعدما فقدت الثالث خلال الرحلة. ولا تعرف حتى الآن ما إذا كان طفلها المفقود حياً أم ميتاً.

أما مصطفى بره، فقال إنه بقي في الفاشر بعد بداية الهجوم، ثم اضطر إلى الخروج عبر طريق ترابي غير آمن. وأضاف أنه شاهد جثثاً لم تُدفن على الطريق، قبل أن يصل إلى مخيم أردمي بعد أسابيع.

وتقول سلمى، وهي نازحة في مخيم كرياري، إنها لا تعرف متى ستتمكن من العودة إلى مدينتها. وتحتفظ بصورة حمراء على شاشة هاتفها، تربطها بالصور الفضائية التي ظهرت بعد سقوط الفاشر وبالحياة التي تركتها خلفها.

وتقول مريم آدم إنها لم تتعرف في البداية إلى معنى الحملة، إلى أن شرح لها ابنها، البالغ 15 عاماً، أن اللون الأحمر يرمز إلى الفاشر. وبعد ذلك غيّرت صورة حسابها على فيسبوك وخلفية هاتفها وصورة مجموعة العائلة في واتساب، مشيرة إلى أن نساء أخريات في المخيم شاركن في المبادرة.

وبالنسبة إلى المشاركين، لا ترتبط الحملة بموعد رياضي أو ذكرى عابرة، بل بمحاولة إبقاء ما جرى في الفاشر حاضراً في النقاش العام. ويقول بره إنه لا يعرف ما إذا كان سيتمكن من العودة إلى المدينة خلال العام المقبل، لكنه يعتزم الإبقاء على شاشة هاتفه حمراء بوصفها تذكيراً بالأحداث التي دفعته إلى النزوح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *