
الخرطوم – عزة برس
بينما تحقق القوات المسلحة، انتصارات كاسحة على مليشيا الدعم السريع، في جبهات القتال في محاور كردفان ودارفور والنيل الأزرق، تنشط حرب اقتصادية تتداخل فيها أيادي خارجية تستقوى بغطاء دولي ودبلوماسي كثيف، بغية تدمير المشاريع الاقتصادية وشبكات البيانات ونهب الموارد ليصبح السودان دولة غير قابلة للتعافي حتى بعد انتهاء الحرب.
َويؤكد خبراء ومصادر حكومية مستشهدين بامثلة حية ونماذج ملموسة ان السودان يواجه حرباً اقتصادية منظمة تستهدف موارده السيادية وعملته الوطنية وبنيته الإنتاجية لينعكس ذلك كله في هبوط قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الاجنبية الصعبة، وأيقةد بالتالي إلى ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وشح في الوقود.
فمنذ أن اشعلت المليشيا الحرب في الخرطوم، أصدر نائب قائد المليشيا المتمرد عبدالرحيم دقلو تزامنا مع اندلاع العدوان أوامر لمنسوبية بكسر ونهب المصارف والبنوك واحتلال مطبعة العملة. وتنفيذ لذلك المخطط استولت المليشيا على العملات واتلفت البيانات، و نهبت كافة المؤسسات والشركات واستوت بغير وجه حق علي ممتلكاتها، ب وفوق ذلك فان العالم كله شهود علي عناصر المليشيا خلال وجودها في الخرطوم وهي تقتحم بيوت المواطنين العزل وتطلب منهم تسليمها الأموال والذهب وامتد الأمر إلى خطف المدنيين وطلب فديه لإطلاق سراحهم.
وسارعت المليشيا والداعمون لها إلى ضرب الاقتصاد السوداني والعمل على نهب ثروات البلاد وخاصة الذهب كونه المصدر الرئيسي للسودان، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن السودان أنتج نحو 70 طناً في 2025، بينما لم يُصدر رسمياً سوى 14.7 طن فقط، ما يعني خروج كميات كبيرة عبر قنوات غير رسمية وإعادة صهرها في مراكز إقليمية قبل وصولها للأسواق الدولية. و وأوضحت بعثة تقصي الحقائق الأممية في تقريرها رقم (1591) لمجلس الأمن وجود شبكات في الإمارات وتشاد وليبيا يشتبه في مساعدتها مليشيا الدعم السريع على تمويل شراء الأسلحة والمسيرات والمرتزقة عبر تجارة الذهب المهرب.
ووفقاً لوزارة المعادن، فقدت الدولة أكثر من 70% من عائدات الذهب الرسمية خلال عامي الحرب بسبب خروج مناجم دارفور وجنوب كردفان عن سيطرة الدولة.
وكان مجلس الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات في 13 يوليو الماضي شملت حظراً كاملاً على شراء أو استيراد أو نقل الذهب سوداني المنشأ. و حظر بيع أو توريد أو تصدير مادتي الزئبق والسيانيد إلى السودان باعتبارهما من المواد الأساسية المستخدمة في استخلاص الذهب.
وفي 10 سبتمبر الماضي ، أعلن المجلس الاتحادي السويسري دخول تدابير مماثلة حيز التنفيذ تشمل حظر شراء الذهب السوداني واستيراده ونقله عبر الأراضي السويسرية. ومنع تقديم الخدمات والمساعدات المالية المرتبطة تجارته. وحظر توريد مواد كيميائية تستخدم في التعدين.
وفي السياق تواجه البلاد حرب في العملة الوطنية أدت إلى تسارع انهيار سعر الجنيه مقابل الدولار.
وتتهم الحكومة شبكات خارجية بطباعة عملة مزيفة وضخها في مناطق سيطرة الدعم السريع، مما تسبب في تضخم جامح، إلى جانب عمليات نهب ممنهجة طالت 90% من فروع البنوك في الخرطوم والجزيرة وسنار، وسرقة خزائنها ومحو قواعد بياناتها، الأمر الذي شل الجهاز المصرفي.
تزامنت الحرب مع تعطيل متعمد لسلاسل الإمداد. ففي مايو 2025 استهدفت مسيرات بعيدة المدى ميناء بورتسودان ومطارها ومستودعات الوقود، مما أدى لشل الصادرات السودانية من السمسم والصمغ العربي والثروة الحيوانية لأكثر من 3 أسابيع.
وتشير تقديرات وزارة التجارة إلى خسائر مباشرة بلغت 2.1 مليار دولار خلال 2024-2025 بسبب توقف التصدير وارتفاع كلفة الشحن والتأمين.
كما أنه خلال وجود المليشيا في ولايات الخرطوم، الجزيرة واجزاء من سنار، قامت بتدمير البنية التحتية للبلاد وتدمير ونهب المشاريع الاقتصادية القومية . فقد تم نهب آليات ومخازن القطن والقمح، وتدمير قنوات الري بمشروع الجزيرة مما أخرج 80% من مساحته من الإنتاج. كذلك الحال في مصانع الخرطوم وبحري التي تعرضت لحرق ونهب لأكثر من 90% من المنشآت الصناعية حسب اتحاد أصحاب العمل.
ويرى مراقبون أن استخدام المسيرات لم يعد عسكرياً فقط، بل اقتصادياً، عبر استهداف محطات الكهرباء في سد مروي وتندلتي والشوك وسنار، ومحطات الوقود والمطارات، بهدف شل الحياة الاقتصادية ودفع المواطنين للنزوح وإفراغ المدن المنتجة.
ويرى مراقبون أن هناك قوى إقليمية ودولية ترى أن انتصار الجيش الكامل سيعيد السودان كدولة مركزية قوية تتحكم في البحر الأحمر والذهب والصمغ العربي. لذلك تستخدم الأدوات الاقتصادية لإطالة الحرب ومنع الجيش من تحويل النصر العسكري إلى تعاف اقتصادي سريع وابقاء السودان في حالة استنزاف مثل حظر شراء الذهب السوداني من قبل الاتحاد الأوروبي والذي جاء مباشرة بعد استعادة القوات المسلحة مدن عديدة في ولاية شمال كردفان.
كما أن عودة المواطنين إلى الخرطوم والجزيرة بعد تحريرها خلقت زخماً شعبياً كبيراً للجيش. حيث عملت قوى خارجية بخنق الاقتصاد بهدف تحويل النصر العسكري إلى عبء معيشي يومي، مما يولد تذمراً ضد الدولة.
وأكد مراقبون أن توقيت الأزمة الاقتصادية ليس صدفة. ففي كل مرة يعلن فيها الجيش عن قرب الحسم ، تتصاعد التسريبات عن تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الذي يطالب بفرض حظر توريد سلاح على السودان كله، أو تظهر دعوات للهدنة. وهذه رسائل مفادها (لن يسمح لكم بالانتصار الكامل دون تقديم تنازلات سياسية تتعلق بمستقبل المليشيا أو بملفات إقليمية أخرى) .
فالحرب الاقتصادية ليست منفصلة عن الحرب العسكرية، بل هي امتداد لها بوسائل أخرى. حين تفشل أداة الميدان في وقف تقدم الجيش، يتم تفعيل أداة الاقتصاد لإيقاف قطار الدولة.
بالمقابل بدأت الخرطوم تعود لطبيعتها بعد ان طهرها الأبطال من دنس المليشيا وتغسل عن وجهها كآبة رانت عليها ردحا من الزمن..
على ان هذه العودة تشوبها صعوبات وتخيم عليها تحديات صفوف الوقود المتطاولة وهي ليست دليلا على الفشل بل برهان ساطع على ان رعاة المليشيا تحولوا الى استخدام تقنية سلاح التجويع… فالازمات الاقتصادية المتلاحقة هي بفعل الحرب الاقتصادية..
وهي مظهر من مظاهر التكالب على موارد السودان المتعددة…
تسعى الدولة على تجاوز هذه التحديات بعمل دؤوب لترشيد الانفاق الحكومي وتنفيذ موجهات السيد رئيس مجلس السيادة وموجهات رئيس الوزراء بخصوص حسن توظيف الموارد وتعزيز الشراكات بين الحكومة والقطاع الخاص لسد الفجوات وترقية الاقتصاد…











