الأخبار

نضال عثمان تكتب : السماكة وحكايات البحر.. كنز في بحيرة مروي ينتظر التطوير

عند الفجر، حين يكون النيل لا يزال نائماً تحت غطاء من الضباب الخفيف، وحين لا يُسمع إلا صوت المجاديف تشق صفحة الماء، هناك تبدأ الحكاية. لم نذهب لنصطاد سمكاً، ذهبنا لنصطاد حكاية فعدنا بكنز.

في تلك البقعة من بحيرة مروي، حيث يلتقي عرق الصحراء ببرودة الماء، وجدنا رجالاً من نوع آخر. وجوه لوحتها الشمس، وأيدي خشنتها الحبال، وقلوب من ذهب. ليسوا مجرد صيادين، بل هم رواة البحر، وحفظة أسراره، من يقرأون حركة الماء واتجاه الريح كما يقرأ غيرهم الكتب.

كرم ضيافة لا يوصف، وقلوب مفتوحة قبل البيوت. هكذا استقبلنا سمّاكة بحيرة مروي، لا بابتسامة عابرة، بل بقهوة على الجمر، وسمك ساخن، وصدور مفتوحة. فتحوا لنا قلوبهم قبل أن يفتحوا صناديق حكايات البحر وأسراره وهموم المهنة.

جلسنا معهم على الرمال، وأرجلنا تلامس الماء، وبين رائحة الشباك المبللة، حدثونا عن البحر ليس مجرد ماء، بل هو حياة كاملة، مدرسة تعلّم الصبر والرضا. حكايات عن صبر الليالي الطوال، وعن مواسم الخير الوفير حين يجود النيل، وعن مخاطر الموج التي لا يعرفها إلا من عاشها.

لكن خلف تلك الحكايات الدافئة همٌ كبير يحملونه، فصيد الأسماك في مروي لم يعد مجرد هواية أو لقمة عيش، بل أصبح اليوم تجارة رابحة ومورد اقتصادي ضخم يمكن أن ينافس عالمياً، لكنه فقط يحتاج إلى من يلتفت إليه.

ما تحتاجه البحيرة اليوم لتواكب الأسواق العالمية ليس مستحيلاً، فهي تحتاج أولاً إلى تحديث آليات الصيد بشباك ومراكب حديثة بدلاً من الوسائل التقليدية المتهالكة، وتحتاج ثانياً إلى توفير ثلاجات الحفظ وسلسلة تبريد متكاملة تحفظ الأسماك من لحظة الصيد حتى تصل للمستهلك طازجة، كما تحتاج ثالثاً إلى إنشاء سوق متخصص للأسماك يكون سوقاً نموذجياً نظيفاً يليق بثروة البحيرة ويحفظ كرامة السمّاك والمشتري، وأخيراً تحتاج إلى مراكب مؤهلة وآمنة تحمي أرواح السمّاكة وتزيد من إنتاجيتهم.

ثروة سمكية هائلة تسبح في بحيرة مروي، وأيدي ماهرة تعرف أسرارها، وقلوب كريمة تنتظر فقط من يأخذ بيدها، ورسالتنا من قلب البحيرة هي استثمروا في السمّاكة، فمن يطعم الناس من البحر، يستحق أن نطوّر له البحر.

#مروي #بحيرة_مروي #السماكة #الشمالية #الثروة_السمكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *