الأخبار

لفتة إنسانية أشعلت منصات التواصل الاجتماعي،، «ارتاحي الليلة يُمَّة».. مسح دموع أمٍّ كادحة

د. سارة: الحرب دفعت أمهات إلى الأسواق بحثاً عن لقمة العيش..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

حصد ڤيديو منشور على منصات التواصل الاجتماعي إعجاب رواد التايم لاين، موثقاً لفتة إنسانية مؤثرة أقدم عليها شباب مبادرة «ارتاحي الليلة يُمَّة»، وهم يمدون يد العون لسيدة سودانية نزحت من دارفور، وتكابد مشقة الحياة ببيع «الجرجير» في شوارع أم درمان، وتقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام بحثاً عن لقمة عيش أسرتها، وتجاوز المشهد حكاية مساعدة عابرة إلى صورة تختصر معاناة الأمهات في زمن الحرب، حين تصبح رحلة البحث عن قوت الأسرة معركة يومية، ويغدو جبر الخاطر نافذة للأمل وسط واقع مثقل بالنزوح وضيق الحال.

دموع:
في الڤيديو المتداول، تبدو السيدة وهي تحمل بضاعتها من «الجرجير» في شوارع أم درمان، قبل أن يتوقف عندها شباب المبادرة ويسألوها عن ظروفها. وتقول إنها تسكن منطقة «الصفوة»، وتضطر إلى قطع المسافة مشياً حتى تصل إلى سوق ليبيا، حيث تبيع ربطة «الجرجير» بأسعار تتراوح بين 500 وألف جنيه، فيما لا يتجاوز ما تحمله 36 ربطة، في عائد محدود لا يتناسب مع مشقة الطريق وأعباء المعيشة.
وأمام هذا الواقع، قرر الشباب شراء كامل كمية «الجرجير» بمبلغ 40 ألف جنيه، مع ترك البضاعة للسيدة لتعيد بيعها والاستفادة من ثمنها مرة أخرى، ومنحها 10 آلاف جنيه لتغطية تكلفة المواصلات، فضلاً عن مساهمة مالية إضافية، ولم تكن قيمة المساعدة وحدها مصدر التأثر، بل ما صاحبها من احتواء واحترام، حين أكد لها الشباب أنهم أبناؤها، وأن الدعم هدية من سودانيين بالخارج عبر المبادرة.

صناعة الأمل:
ولم تتوقف مبادرة «ارتاحي الليلة يُمَّة» عند المساعدة المالية، بل وعدت بتوثيق حالة السيدة وعرضها على أهل الخير، والعمل على توفير رأس مال يتراوح بين 150 و200 ألف جنيه لتبدأ مشروعاً صغيراً يعينها على كسب العيش دون مشقة التنقل اليومي.
وفي ختام المشهد، ساعد أحد أعضاء المبادرة السيدة في حمل جوال «الجرجير»، ورافقها حتى استقلت وسيلة نقل للعودة إلى منزلها، وتبلور هذه اللفتة معنى التكافل حين يتحول من شعار إلى ممارسة تحفظ كرامة المحتاج وتقدّر كفاحه، ذلك أن الرسالة التي يحملها اسم المبادرة «ارتاحي الليلة يُمَّة» تتجاوز تخفيف عبء يوم واحد، إلى محاولة فتح باب أكثر استقراراً أمام أم اعتادت أن تحمل همّ أسرتها، وتكافح من أجل توفير احتياجاتها.

قسوة الحرب:
قطعاً تقف وراء حكاية بائعة «الجرجير»، حكايات أخرى لنساء سودانيات دفعتهن تداعيات الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل إلى العمل في الأسواق وعلى قارعة الطريق، ولم يعد النزول إلى السوق بالنسبة إلى بعض الأمهات خياراً لتحسين الدخل، بل ضرورة فرضتها الحاجة، حتى وجدت نساء كبيرات في السن أنفسهن مضطرات إلى حمل بضاعة محدودة، وقضاء ساعات تحت الشمس، في انتظار مشترٍ يساعدهن على توفير احتياجات أسرهن.
وتجسد حالة السيدة النازحة من دارفور تداخل أعباء النزوح مع مشقة كسب العيش، فهي تتحمل عناء الوصول إلى مكان البيع والعودة منه، مقابل عائد محدود لا يضمن لها الاستقرار، ومن هنا، ينبغي النظر إلى مثل هذه الحالات بوصفها قضية اجتماعية تستحق تدخلاً منظماً، لا مجرد مشهد مؤثر على منصات التواصل، باعتبار أن التعاطف، على أهميته، لا يكفي وحده لمواجهة الفقر الذي عمَّقته الحرب، ما لم يتحول إلى جهود عملية توفر للنساء الأكثر احتياجاً فرصاً لكسب العيش واستعادة قدر من الاستقرار والكرامة.

الحاجة وكبرياء النفس:
وأجهشت الناشطة الاجتماعية د د. سارة عبد العزيز الزبير بالبكاء وهي تتحدث ل«الكرامة» عن الڤيديو وما أثاره من مشاعر، متوقفة عند المعاني الإنسانية التي يجسدها المشهد، حيث تقف هذه المرأة بين الحاجة وكبرياء النفس، وتجسد بتعبها وكدها واجتهادها قيمة السعي إلى لقمة عيش حلال، مقرونة بالقناعة والرضا، رغم الظروف القاسية الخارجة عن إرادتها، وقالت د. سارة في إفادتها للكرامة إن المرأة تحاول التعايش مع واقع صعب ومواصلة مسيرة الحياة بإصرار، بينما تظل محاصرة بتحديات لا تملك السيطرة عليها، مضيفة أن «بين واقع مرير ومستقبل مجهول يكمن التحدي» الذي تواجهه هذه المرأة وغيرها من الأمهات اللاتي أثقلتهن الحرب، وأكدت أن الحرب أحدثت تعقيدات كبيرة في المجتمع السوداني، وجعلت قطاعات واسعة من السودانيين تعيش الفقر والحاجة، الأمر الذي دفع أمهات ونساء كبيرات في السن إلى النزول للأسواق وامتهان البيع لتأمين احتياجات أسرهن، وشددت د. سارة على أن هذه المشاهد ليست حالات معزولة، بل تعكس حجم الضغوط الاجتماعية والمعيشية التي خلفتها الحرب، داعيةً رجال المال والأعمال، وديوان الزكاة، والصناديق الخيرية إلى التحرك لإسناد الأمهات والنساء الكادحات، وتقديم المساعدات التي تخفف عنهن أعباء العمل الشاق، مع أهمية التفكير في مشروعات صغيرة تساعدهن على الاعتماد على الذات. واختتمت حديثها بالدعاء أن يمنّ الله بالاستقرار على البلاد والعباد.

خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. فقد أعادت مبادرة «ارتاحي الليلة يُمَّة» التذكير بقيمة جبر الخواطر في مجتمع يواجه واحدة من أقسى مراحله، حيث تتضاعف الحاجة إلى التضامن، وتصبح المبادرات الطوعية جسوراً تصل بين أصحاب الحاجة وأهل الخير، غير أن القيمة الأعمق لهذه التجربة تكمن في أنها لم تكتفِ بتخفيف عبء يوم واحد عن السيدة، بل سعت إلى التفكير في وسيلة تساعدها على تغيير واقعها، من خلال مشروع صغير يمنحها فرصة أفضل لكسب الرزق، وإذا كانت هذه المبادرة قد نجحت في الوصول إلى بائعة «الجرجير»، فإن التحدي الأكبر يتمثل في الوصول إلى نساء أخريات يعشن ظروفاً مشابهة، وتوسيع دائرة الإسناد لتشمل مزيداً من الأمهات اللاتي أثقلتهن الحرب، عبر تنسيق الجهود بين المبادرات الشبابية ورجال المال والأعمال وديوان الزكاة والصناديق الخيرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *