
بقلم :إبراهيم عدلان /المدير السابق لسلطة الطيران المدني
“الي روح الفقيدين سعد احمد و حسن حسين
اللهم ارحمهما وارفع درجتهما في الفردوس الاعلي
لكل من ساهم في ذلك العمل الكبير”
هناك أيام تمر في حياة المسؤول دون أن تترك أثراً كبيراً، وهناك أيام تختصر سنوات من الخبرة في ساعات قليلة.
كانت تلك واحدة من Khartoum’s Finest Hours.
التاريخ :٢٦ يوليو ٢٠٢١
في ذلك الصباح، واجه مطار أديس أبابا ظروفاً جوية بالغة الصعوبة. فقد انخفض مدى الرؤية إلى نحو 400 متر، وهو أقل من الحد الأدنى الذي وضعته الخطوط الجوية الإثيوبية للتشغيل في ذلك المطار.
ولم تكن المشكلة في الطقس وحده.
فقد حدث، ولسبب لم يكن معروفاً في ذلك الوقت، انهيار كامل في جميع أجهزة الهبوط الآلي في مطار أديس أبابا.
أصبحت الصورة في أديس أبابا حرجة للغاية.
رسالة من أديس أبابا
في صباح ذلك اليوم تلقيت اتصالاً من مركز المراقبة الجوية بالخرطوم، وأُبلغت بأن هناك رسالة تركها لي مدير الطيران المدني الإثيوبي.
تسلمت الرسالة، وكان مضمونها واضحاً ومباشراً:
الوضع في أديس أبابا لا يحتمل، وعلى الخرطوم أن تساعدنا.
لم يكن هناك وقت طويل للتفكير.
كان عليّ أن أتحرك سريعاً.
بدأنا أولاً بتمرير الطائرات عبر حدودنا مع مصر، وفي الوقت نفسه بدأنا عملية تجهيز مطار الخرطوم لاستقبال عدد كبير من الطائرات خلال فترة قصيرة.
تحدثت سريعاً مع الإخوة في مطار الخرطوم: المدير العام للشركة ومدير مطار الخرطوم المرحوم سعد، وضابط السلامة المرحوم حسن حسين، وأبلغتهم بالموقف، كما طلبت إبلاغ مطار مروي والاستعداد لأي تطورات.
شرط واحد: لا إنزال للركاب
كان هناك شرط واحد أساسي:
لا إنزال للركاب مهما حدث.
وافق الجانب الإثيوبي على ذلك.
ثم سألتهم إن كانت هناك أية قيود على زمن عمل الطواقم، فجاءت الإجابة مطمئنة:
كل الطواقم لديها طواقم احتياطية على الطائرة نفسها.
وهكذا أصبح بإمكان الطائرات الانتظار على الأرض دون أن تتحول مسألة زمن عمل الطواقم إلى أزمة أخرى.
الاستعداد للأسوأ
تركت المرحوم حسن حسين يتولى موضوع كيفية إيقاف الطائرات وتوزيعها، بالتنسيق مع مدير الملاحة الجوية.
أما همّي الرئيسي فكان توفير أكبر قدر ممكن من قدرات الإطفاء والإنقاذ والإسعاف.
كنت أفكر في احتمال وصول هذا الكم الهائل من الطائرات في وقت قصير، وكنت أريد أن نكون مستعدين للأسوأ، حتى لا يحدث الأسوأ.
وبالفعل، أرسل لنا الأخ اللواء عثمان العطا من مطافي الولاية:
* أربع سيارات إطفاء.
* أربع سيارات إسعاف.
وقمت بالتنسيق مع العميد محمد الحاج، مدير صافات، فأرسل سيارتين إضافيتين، كما نسق مع زميل له في مصنع اليرموك، الذي أرسل سيارتي إطفاء وأربع سيارات إسعاف.
كما تم التواصل مع مستشفيات:
رويال كير، الخرطوم الملكي، مستشفى بشائر، والساحة.
وكان الجميع على قدر المسؤولية.
ثلاث ساعات
استمرت العملية نحو ثلاث ساعات.
خلالها توالت الطائرات، واحدة تلو الأخرى.
وكانت المنظومة كلها تعمل في وقت واحد:
المراقبة الجوية، المطار، الملاحة الجوية، السلامة، الإطفاء، الإسعاف، المستشفيات، والجهات الأخرى التي سارعت إلى تقديم ما تستطيع.
لم يكن المطلوب استقبال طائرة واحدة.
كان علينا أن نتعامل مع اثنتي عشرة طائرة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، وأن نحافظ في الوقت نفسه على سلامة العمليات.
اللحظة التي تنفست فيها الخرطوم الصعداء
وصلت الطائرة الأخيرة إلى أرض المطار.
وبينما كان الجميع يترقب تطورات الموقف، انبثق من إحدى الطائرات صوت أنثوي رقيق عبر أجهزة الاتصال.
كان الصوت هادئاً بصورة لافتة وسط كل ذلك التوتر.
«الخرطوم، نطلب الإذن بالتدوير استعداداً للقيام إلى أديس أبابا.»
في تلك اللحظة عرفت أن الأزمة قد انتهت.
ومع ذلك الصوت الهادئ، تنفست الخرطوم الصعداء.
تحسن الوضع في أديس أبابا، وأصبحت الطائرات قادرة على العودة.
رسالة من إثيوبيا
لكن القصة لم تنتهِ عند مغادرة الطائرات.
بعد انتهاء الأزمة، هاتفَتني السيدة رئيسة جمهورية إثيوبيا الفدرالية، معربة عن سعادتها وتقديرها لما قامت به الخرطوم في ذلك الظرف الاستثنائي.
وكان ذلك الاتصال بالنسبة لي أبلغ شهادة على أن ما حدث لم يكن مجرد عملية تشغيلية ناجحة.
كان موقفاً إنسانياً ومهنياً عكس عمق العلاقات بين الشعبين والبلدين.
وقد نقلت لي السيدة الرئيسة تقديرها عبر سعادة السيد أحمد حسن، عضو مجلس السيادة عن شرق السودان، الذي قام بدوره بنقل الرسالة.
كانت كلمات التقدير تلك، بعد ساعات من التوتر والعمل المتواصل، لحظة ذات معنى خاص.
ففي الطيران، قد تنسى الأرقام مع مرور الزمن، وقد تتغير الطائرات والمطارات والأنظمة.
لكن هناك مواقف تبقى.
تبقى لأنها تقول شيئاً أكبر من مجرد نجاح عملية تشغيلية.
عندما توضع الإمكانات على المحك
في ذلك اليوم لم تكن الخرطوم تمتلك ظروفاً مثالية.
لكنها امتلكت القرار، والخبرة، والكوادر، وروح التعاون، والقدرة على حشد الموارد في الوقت المناسب.
وهذا هو جوهر الطيران.
المطار ليس مدرجاً ومبنى وبرج مراقبة فقط.
المطار منظومة من البشر والمؤسسات والخبرات، تظهر قيمتها الحقيقية عندما تحدث الأزمة.
لقد وضعت إمكانات الخرطوم على المحك.
وكانت النتيجة هي الإجابة.
اثنتا عشرة طائرة كبيرة.
ثلاث ساعات.
أزمة جوية إقليمية.
ومطار الخرطوم كان هناك.
Khartoum’s Finest Hours.
عندما توضع الإمكانات على المحك، لا تكذب النتائج.
ابراهيم عدلان
طيران بلدنا











