الأخبار

توثيقاً لجهود الرواد وصونا لذاكرة الجالية السودانية في المنطقة الشرقية (الجزء الثامن):✍هشام عثمان مكي

حين كتب لي تعليقاً الدكتور حسن بابكر، مدير إدارة الجاليات بجهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج، عبر موقع (New Vision – رؤية جديدة)، حول مبادرة توثيق مسيرة جالية المنطقة الشرقية، خطّ بكلمات واعية تعليقاً يختزل روح تلك التجربة الفريدة، قائلاً:
(أعتقد أن ما ذكرته صحيح وهذا توثيق أولي لجهد جالية المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية… الجالية الأولى وقتها على مستوى العالم.. وكل محفل مما ذكرت يمكن أن يوثق له كتاب… ربما مفتاح النجاح كان في الشخوص الذين قادوا العمل الشعبي باقتدار ونكران للذات وترفعهم عن الصغائر وإدراكهم الواعي للجالية وأهدافها ومراميها).
لقد كانت قراءتي لهذا التعليق الواعي الذي خطّه يراعه، إشادةً بالمقال السابق، محطة توقفت عندها طويلاً، فلم تكن شهادة رجل عايش الملف وأدرك عمق المعنى لمجرد ثناء عابر، بل كانت وثيقة حق تضعنا أمام الحقيقة الكبرى التي قامت عليها هذه المجموعة. فالحق أن الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية لم تكن يوماً كياناً عابراً في سماء الاغتراب، بل كانت رقماً قياسياً في الريادة، والتنظيم، والتكافل الذي ترك أثره الخالد في وجدان كل من مرّ بالمنطقة الشرقية، وثمرة لرجال آمنوا بالعمل العام رسالةً لا وجاهة.
وهذا يقودنا مباشرة إلى الكشف عن أهم ركيزتين قامت عليهما هذه التجربة وهما مصدر قوتها:

• أولاً: مصدر قوة الجالية الأول هو الشرعية المؤسسية وطريقة التكوين: –
ولا أذكر طوال مسيرتي أن انعقد المجلس العام لينتخب اللجنة التنفيذية دون حضور ممثل من السفارة نيابة عن جهاز المغتربين طوال الفترة من العام 2000 م وحتى 2014م. ولذلك يعتبر الالتزام الصارم بهذه الشرعية المؤسسية هو أبرز مصادر قوة جالية المنطقة الشرقية واستقرارها عبر التاريخ، فلم يكن تكوين الجالية أو انتخاب لجنتها التنفيذية يُمثّل اجتهاداً عشوائياً أو عملًا أحادياً، بل كان يتم دائماً وفق حضور ومشاركة رسمية تامة ومن ثم تعريفها عبر السفراء الى الجهات المختصة عند حضورهم الى المنطقة الشرقية أو زيارة الإمارة.
وأذكر أنني انتخبت أميناً عاماً للجنة التنفيذية في دورة (2010 – 2013م)، فتجلت تلك الدقة المؤسسية في أبها صورها، فقد كانت لجنة تكوين وانتخاب الجالية تعمل على مدار ثلاثة أشهر متتالية برئاسة البروفيسور ابن الوليد حسين، والأستاذ بدر الدين أحمد موسى رئيساً مناوباً، وعضوية المهندس أحمد مضوي، والرياضي المطبوع صلاح البريد، والمرحوم محمد عثمان، والمهندس أحمد الشريف، وربما آخر لم أتذكره. وقد عملت اللجنة بمعايير صارمة وشفافة وضعها المجلس العام، فطريقة اعتماد الجمعيات والروابط كانت تتم عبر “استمارة حصر الجمعيات” التي يُتحقق فيها من وجود الجمعية على الأرض، وعدد عضويتها حيث حُدد 30 عضو كحد أدنى للاعتماد ثم التأكد من المقر، ثم سداد الاشتراك بمبلغ وقدره (100 ريال)، ثم تسليم نسخة من النظام الأساسي للجمعية، بعدها يُقدم خطاب رسمي من الجمعية موضح فيه اسم ممثل الجمعية (وفي حالة عدم حضوره يُكتب تفويض رسمي لمن يمثله من الجمعية أو الرابطة يُسلم للجنة قبل انعقاد المجلس لاعتماده).
أما الأفراد، فكانت تجرى انتخابات دقيقة فيما بينهم بعد أن يسددوا الرسوم المقررة للفرد البالغة (100 ريال). واستحضر هنا أن المنافسة في تلك الدورة كانت بين حوالي (40) فردًا لاختيار (6) أفراد منهم، ويطيب لي أن أُشير إلى فوز الشيخ حسب الرسول أبو كساوي من بينهم لأول مرة التحاقاً بالجالية، والذي لعب لاحقاً دوراً كبيراً في لجنة إصلاح ذات البين والصندوق الاجتماعي.
ولعل الشاهد الأبلغ على عمق هذا الالتزام وتجذره، أنه في المرة الوحيدة التي لم تتمكن فيها السفارة من الحضور ممثلة للجهاز بالطريقة المعتادة، لم يُعقد الاجتماع خارج الإطار الرسمي، بل توجه المجلس العام بكامل عضويته وانعقد داخل مباني السفارة في فبراير العام 2014م، حيث أشرف عليه سعادة القنصل العام الأستاذ عبد الرحمن رحمة الله مشرفاً وممثلاً لجهاز المغتربين، وعقب الاجتماع مباشرة صاغ تقريراً مفصلاً رُفع لجهاز المغتربين أوضح فيه تشكيل اللجنة التنفيذية ليتم اعتمادها رسمياً لكي يتحقق هذا الشرط القانوني والمؤسسي بحذافيره.
أما لجان التسيير او لجان الخدمات التي سبق وان تم تكوينها او تعيينها من قبل جهاز المغتربين وليس بالانتخاب من المجلس العام للجالية كان تقديرا من سلطات جهاز المغتربين لمعالجة أوضاع محددة، مثل لجنة التسيير التي ترأسها الأستاذ صديق هاشم (2015 – 2017) أو من السفارة نيابة جهاز المغتربين مثل لجنة (7+7) في نوفمبر 2016م والتي اعتمدها الجهاز في فبراير 2017م برئاسة الدكتور عبد الله الصديق.
من هنا، ورغم أن العمل الخدمي الذي يضطلع به كثير من الإخوة يحسب لهم ويُشكرون عليه، إلا أنني أتعجب حين يخاطبني البعض قائلين إنهم بصدد تكوين جالية (سواء كانت انتقالية، تصحيحية، أو شبابية كما برز في الشرقية قبل سنوات)، فالحقيقة المجردة التي يجب أن تُقال هي إن أي جسم يُكوّن دون الإشراف المباشر من جهاز المغتربين أو السفارة لا يعدو أن يكون سوى كيان شعبي أو لجنة خدمية أو جمعية ثقافية أو اجتماعية أخرى، ولا يكتسب الصفة الرسمية للجالية أبداً، خاصة على مستوى المناطق لا الفرعيات، لأن الجاليات تكون وفق قانون جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج وهو الجهة التي تجيز الجالية مباشرة بعد التأكد من السفارة المعنية إن كان مسموحا لها.

• ثانياً: مصدر قوة الجالية الثاني هو النظام المالي والشفافية المؤسسية: –
لعل أكثر ما كان يميز جالية الشرقية بل ومصدر قوتها الحقيقي هو العمل المالي المؤسسي، إذ ظلت الجالية تقدم مصروفاتها بشفافية كاملة لمكاتب مراجعة معتمدة طوال الفترة من العام 2000م حتى العام 2010م، بل إن معظم من استلموا أمانتها المالية حتى العام م2017 كانوا أصلاً محاسبين أكفاء، بدءاً بالأستاذ صديق هاشم، مروراً بالمرحوم عبد الله الخطيب، ثم الأستاذ محمد فضل، ثم الأستاذ عبد الرحمن عبد الله، والأستاذ عادل حامد، والأستاذ معتصم محمد الحسن، والأستاذ صلاح أبو زيد والأخيرين فقط لم يكونا متخصصين في المحاسبة، وانتهاءً بالمراجع القانوني الشيخ محمد أحمد الحساني.
وهذا يقودنا مباشرة إلى كواليس ذلك البناء الشاق والجهد المضني، فما تحقق لم يكن وليد صدفة أو رفاهية وقت، بل صُنع في أتون العمل الإداري الكثيف، وآلاف الاجتماعات، ومعاناة الأسر الكريمة التي تحمّلت وزر الضيافة والسهر المتواصل. ولست مبالغاً إن قلت إنني حضرت مئات الاجتماعات في منزل الأستاذ محمد أحمد مكي، ومثلها في الفنادق والقاعات والاستراحات والمطاعم والأماكن العامة، وعشرات الاجتماعات في منزل المرحوم عثمان عبد الله، ومثلها عُقدت في منزل الأستاذ صديق هاشم، وكذلك حظي منزل الدكتور عبد الله الصديق بنصيب وافر منها، ناهيك عن عشرات الاجتماعات التي يستضيفها بعض أعضاء اللجنة التنفيذية في منازلهم، وكذلك التطواف المستمر على الجمعيات والفرعيات وحضور لقاءاتها المتعددة ومناشطها الاجتماعية والمهنية والرياضية وغيرها.
ولم يقتصر ذلك الجهد العظيم على أروقة الاجتماعات والضبط المالي والمؤسسي فحسب، بل تجسد واقعاً حياً وميدانياً في ميادين البذل والعطاء المتعددة، وهو ما سنستعرضه تباعاً في مقالاتنا القادمة. وفي هذا الجزء وحتى لا نطيل نشير إلى محور مهم هو: التواصل واستقبال الوفود.

• التواصل واستقبال الوفود الخدمية: –
مثّلت الجالية السودانية في المنطقة الشرقية جسراً متيناً يربط بين المواطن ومؤسسات الوطن بالداخل التي لها علاقة خدمية بالمغترب، حيث دأبت على استقبال نحو (12) وفداً خدمياً سنوياً. ولعل من أبرز محطات هذا التواصل والجهود المستمرة ما يلي:
التواصل مع جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج: حيث تعددت اللقاءات العامة مع قيادات الجهاز المتعاقبة، بدءاً من عدة لقاءات مع الأمين العام المهندس تاج الدين المهدي في الهافمون والصالة الخضراء وفندق الظهران، ثم نائبه الأستاذ صلاح عمسيب بفندق الظهران والدمام، مروراً بالأمين العام الدكتور كرار التهامي، وصولاً إلى اللقاء المفتوح الذي عُقد يوم الجمعة 19 ديسمبر 2014م مع الأمين العام للجهاز السفير حاج ماجد سوار وهو آخر لقاء للجالية مع امين عام.
كما شمل ذلك استقبال عدد من إدارات الجهاز في فترات متفاوتة، أهمها مديرا إدارات الجاليات الأستاذ أحمد عثمان ثم د. حسن بابكر، ووفد الآلية الوطنية لحماية السودانيين بالخارج، فضلاً عن تنظيم لقاء نوعي مع مدير الاستثمار بجهاز المغتربين وشركة شيكان للتأمين بصالة الجنادرية في حي الفيصلية يوم الجمعة 29 مايو 2015م.
التعاون مع شركات الاستثمار والمهاجر، واستقبال وفود شركات المهاجر المتعددة عدة مرات في السنة الواحدة، وكان آخرها يوم الجمعة 23 يناير 2015م بالفيصلية. وهنا لا بد أن نحيي الأستاذ محمد الحسن عبد المطلب ممثل الشركة في المملكة الذي له فضل تنسيق هذه الزيارات، كما ظلت الجالية تستضيف وفد شركة الأسواق الحرة للاستثمار.
الشراكات المصرفية والخدمات الاستثمارية: تنظم الجالية استقبالاً متواصلاً لوفود البنوك ومؤسسات الاستثمار، لتقديم خدمات وعروض كبرى لأبرز البنوك الوطنية والمؤسسات الاستثمارية مثل بنك الخرطوم (عدة مرات)، وبنك فيصل الإسلامي (عدة مرات)، وبنك البركة (عدة مرات).
متابعة ملف الأراضي والخدمات العقارية: استقبلت الجالية وفود أراضي المغتربين في عدة مناسبات خلال الفترة من عام 2000 حتى عام 2019م، حيث جري توزيع مئات من قطع الأراضي وبيعها لمن يرغبون مثل أراضي مخطط الوادي الأخضر والخطة الاسكانية بولاية الجزيرة وغيرها من المخططات التجارية بولاية الخرطوم، ونظمت لقاءات مفتوحة مع الشركات العقارية مثل شركة “سوقطرة” وغيرها، وكان آخرها اللقاء مع الشركة العقارية بفندق رمادا بالدمام يوم الخميس 28 مايو 2015م، وأراضي صندوق التأمينات الاجتماعية بالفيصلية في العام 2016م.
اللقاءات الجماهيرية مع سفراء السودان: تنظيم لقاءات جماهيرية حاشدة مع سفراء السودان بالرياض في مواقع متعددة مثل (الهافمون، فندق الدمام، فندق الظهران، قاعة الأندلس وغيرها)، وآخرها اللقاء الذي شهده جمع غفير من أبناء الجالية مع سفير السودان السفير أسامة حسن سلمان في عام 2017م بقاعة الحياة، والذي خُصص لتقديم تنوير ضافٍ حول تسهيلات العودة.
خدمات الضمان الاجتماعي والإسكان: تنظيم لقاء ناجح ومميز لوفد الضمان الاجتماعي، أسفر عن حجز أكثر من (200) قطعة سكنية وبيت لأبناء الجالية.
استقبال عدد من الوفود الوزارية – كما سبق ذكره – كما تم استقبال والي ولاية نهر النيل والولاية الشمالية ووالي ولاية الجزيرة في 25/2/2008 وامين عام جهاز المغتربين مدني في 18/5/2007 والمسجل التجاري وسوق الأوراق المالية في 28/3/2008 وغيرها.
هذا التواصل وهذه القوة التي تمتعت بها الجالية انعكست بشكل مباشر على ثقلها ومكانتها، فلم تكن تلك الشرعية المؤسسية ولا الانضباط المالي مجرد إجراءات شكلية، بل كانتا أساس صلابتها في التعامل مع السفارة وجهاز المغتربين وكل مؤسسات الدولة. لقد جعل هذا التفرد والتنظيم المحكم من المنطقة الشرقية قبلةً حقيقية تشبه القنصلية، ومحل أنظار كافة الوفود الرسمية والخدمية التي تقصد المملكة قادمة من السودان، لتصبح المحطة الأبرز التي لا تكاد تفارق جدول أي زيارة رسمية. ومن خلال هذا الثقل، تصدت الجالية لأعظم قضايا المغتربين والدفاع عنها بكل جدارة، بدءاً من قضايا التعليم وإحضار البعثات القنصلية بصورة راتبة، وصولاً إلى المطالب الملحة التي ظلت ترفعها بلا توقف – وإن لم تكتمل نجاحاتها – للمطالبة بإنشاء مكتب قنصلي بمدينة الدمام تفرضه حاجة السودانيين الملحة بالمنطقة الشرقية، وغيرها من القضايا الكبرى، ولعل الكثيرين ممن شهدوا هذه الإنجازات موجودون ولله الحمد والدعاء بالرحمة والمغفرة لمن انتقلوا إلى رحمة الله.
ونواصل في الحلقة القادمة إن شاء الله…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *