الأخبار

من الركام إلى الإقلاع .. حكاية استعادة مطار الخرطوم الدولي

تقرير : مصطفى سليمان

لم تكن استعادة مطار الخرطوم الدولي مجرد عملية لإصلاح منشآت تضررت خلال الحرب وإعادة حركة الطائرات إلى مدارجها. فقد تحولت عملية التعافي إلى مهمة وطنية لاستعادة أحد أهم منافذ السودان الجوية وإعادة الاتصال بين العاصمة والعالم الخارجي.

حجم الدمار.. تحديات تتجاوز المباني :
خلفت الحرب أضراراً واسعة في عدد من مرافق المطار شملت مبنى الركاب وأنظمة الملاحة والاتصالات ومرافق الصيانة والبنية التحتية للوقود إلى جانب عدد من الأصول والمرافق الحيوية.

وزادت الأنقاض وحطام الطائرات وما تعرضت له بعض المنشآت من نهب وتخريب من تعقيد عملية التعافي. ولم تعد المهمة تقتصر على إصلاح منشأة متضررة بل أصبحت تتطلب تقييماً شاملاً للمخاطر وتحديد أولويات إعادة التشغيل.

من التقييم إلى إعادة التأهيل :
بدأ مسار التعافي بتقييم الأضرار وتحديد المرافق ذات الأولوية ثم إزالة الأنقاض وحطام الطائرات وتهيئة مناطق الحركة والمرافق التشغيلية.

وشملت الأعمال إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية وتجهيز مرافق مؤقتة لدعم العمليات إلى حين استعادة المنشآت الرئيسية. كما ارتبطت عملية العودة إلى التشغيل بفحص جاهزية المدرجات والممرات وساحات وقوف الطائرات والتأكد من صلاحية المرافق المرتبطة بسلامة العمليات.

استعادة أنظمة الملاحة والاتصالات :
إعادة تشغيل المطار لا تعتمد على جاهزية المدرج وحده. فأنظمة الاتصالات والملاحة والمراقبة الجوية تمثل مكونات أساسية في منظومة التشغيل الآمن.

لذلك شكلت إعادة تأهيل الأنظمة الفنية وإعادتها إلى مستويات الجاهزية المطلوبة أحد المحاور الرئيسية في عملية التعافي بما يدعم استعادة الحركة الجوية بصورة تدريجية وآمنة.

حطام الطائرات.. عقبة أمام التشغيل :
كان التعامل مع حطام الطائرات والأنقاض من أكثر التحديات ارتباطاً بسلامة العمليات. فوجود الأجسام والمخلفات في مناطق الحركة يمكن أن يمثل خطراً على الطائرات والعاملين ويعقد أعمال الفحص والتأهيل. ومن ثم أصبحت إزالة الحطام جزءاً أساسياً من عملية تهيئة بيئة المطار لاستعادة نشاطه.

الوقود والأمن والخدمات الحيوية :
تتطلب عودة الحركة الجوية كذلك استعادة البنية التحتية الخاصة بوقود الطائرات والخدمات الأرضية والمرافق الأمنية والتشغيلية.

فالطائرة التي تهبط أو تقلع تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من المدرج و تنتهي عند مبنى الركاب. ولهذا اتسعت عملية التعافي لتشمل مختلف الحلقات التي تضمن استمرارية التشغيل.

العاملون .. القوة التي تقف خلف التعافي :
وراء كل منشأة أعيد تأهيلها وأنظمة عادت إلى الخدمة يقف العاملون في مطارات السودان الذين تحملوا ظروف الحرب وحافظوا على استمرارية ما أمكن من العمليات الجوية والخدمات المرتبطة بها.

وفي مرحلة التعافي أصبح العنصر البشري جزءاً أساسياً من عملية إعادة البناء بما يمتلكه من خبرات فنية وتشغيلية تراكمت عبر سنوات العمل في قطاع الطيران المدني.

التشغيل المرحلي .. طريق العودة :
العودة إلى التشغيل لا تعني بالضرورة استعادة كامل الطاقة التشغيلية في وقت واحد. فالتعافي يمكن أن يسير بصورة مرحلية تبدأ بالمرافق الأكثر جاهزية ثم تتوسع تدريجياً مع استكمال أعمال التأهيل ورفع مستوى الجاهزية.

ويمنح هذا النهج فرق التشغيل والهندسة والسلامة فرصة لاختبار الأنظمة والتأكد من جاهزية المرافق قبل التوسع في حركة الطيران.

مطار الخرطوم .. نافذة حيوية :
و في ظل الحرب لم يعد الطيران مجرد وسيلة للسفر ، بل أصبح قناة حيوية لربط السودانيين ببعضهم وبالعالم الخارجي.

فإعادة تشغيل مطار الخرطوم تعني تسهيل حركة الأسر التي فرقتها الحرب ودعم عودة الأشخاص وتيسير وصول المساعدات والإمدادات الأساسية وتعزيز حركة المنظمات والمؤسسات المرتبطة بالاستجابة الإنسانية.

هذا و يمثل مطار الخرطوم أحد المفاتيح الرئيسية لإعادة ربط السودان بشبكة النقل الجوي الدولية . وكل عودة تدريجية للرحلات تعني استعادة جزء من الاتصال مع المطارات الإقليمية والدولية وفتح المجال أمام شركات الطيران لاستعادة حضورها وتعزيز حركة المسافرين والبضائع.

مطار الخرطوم .. بوابة للتعافي الاقتصادي :
لا يتوقف أثر المطار عند قطاع الطيران. فعودة الحركة الجوية ترتبط بالنقل والخدمات الأرضية والشحن والتجارة والفنادق والسياحة وقطاع الأعمال والخدمات اللوجستية.

ومن هذا المنظور تصبح إعادة تشغيل مطار الخرطوم جزءاً من عملية أوسع لاستعادة النشاط الاقتصادي وإعادة بناء شبكة الاتصال التي يحتاجها السودان في مرحلة ما بعد الحرب.

من إعادة التشغيل إلى بناء المرونة :
ربما يكون الدرس الأهم الذي فرضته الحرب هو أن التعافي لا ينبغي أن يتوقف عند إعادة المرافق إلى حالتها السابقة.

فالمرحلة المقبلة تطرح الحاجة إلى تعزيز مرونة المطارات « Airport Resilience » وتطوير خطط استمرارية الأعمال « BCP » وخطط التعافي من الكوارث « DRP » وتوفير البدائل التشغيلية وتعزيز القدرة على الاستجابة للأزمات المستقبلية.

كما تمثل إعادة البناء فرصة لتحديث بعض الأنظمة ورفع الكفاءة التشغيلية وإدخال حلول أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات بما يتناسب مع احتياجات السودان المستقبلية.

من الركام إلى التعافي :
إن استعادة مطار الخرطوم الدولي ليست قصة مدرجات ومبانٍ وأنظمة فنية فحسب. إنها قصة مؤسسة وموظفين ومنظومة طيران تحاول استعادة دورها في بلد أنهكته الحرب.

فكل حطام تتم إزالته وكل مرفق يعاد تأهيله وكل نظام يعود إلى الخدمة وكل طائرة تستعيد طريقها إلى مدرج الخرطوم تمثل خطوة في اتجاه استعادة الاتصال والحركة والاقتصاد.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في إعادة مطار الخرطوم إلى الخدمة بل في تحويل تجربة الحرب إلى درس مؤسسي لبناء مطار أكثر مرونة وأكثر جاهزية للأزمات وأكثر قدرة على دعم مرحلة جديدة من التعافي وإعادة بناء الطيران المدني السوداني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *