
امتداداً لما التزمنا به بتناول سير رموز وكفاءات الجالية الذين ساهموا في نهضة مشاريع السودان الكبرى، ضمن سلسلتنا التوثيقية (توثيقاً لجهود الرواد وصوناً لذاكرة الجالية السودانية في المنطقة الشرقية)، فإننا حين نتحدث عن الكفاءات السودانية والرموز الاجتماعية، لا نروي مجرد سير ذاتية عابرة، بل نسطر ملحمة من الإخلاص والعطاء الذي لا ينضب. ومن هنا يأتي توثيقنا لمسيرة هؤلاء الرجال في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، الذين حملوا أمانة الوطن ليعيدوا بناءه، لنقف اليوم أمام نموذج استثنائي، إنه المهندس أحمد عبد الله دفع الله، حيث تمثل مسيرته نموذجاً فريداً ومثالياً لقصص النجاح الحقيقية التي تصنعها الكفاءات السودانية في المهجر والوطن على حد سواء، فقد أمضى عقوداً سجل حضوراً مشهوداً في أروقة الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية، وحين حان نداء العودة كانت رحلته خوضاً لتحد أكبر وأصعب، فكانت وجهته صرخا هندسيا شاهقاً إنه سد مروي العملاق.
يأتي المهندس أحمد عبد الله من عمق الجزيرة الخضراء، فقد ولد بقرية صراصر غرب الحصاحيصا، ولاحقاً انتقلت أسرته إلى قرية ود بهاي، وهناك بدأ تشكل وعيه المبكر في مدرسة صراصر الابتدائية، ثم طابت الأميرية الوسطى، فمدني الثانوية، قبل أن يُتوج شغفه العلمي بالالتحاق بجامعة الخرطوم – كلية الهندسة (قسم الهندسة المدنية).
بدأت رحلته العملية مبكراً في وزارة الري بين الأعوام (1980 – 1983م)، حيث تنقل بين قسم خدمات الري بالمريبيعة، وخزان سنار، ومحطة البحوث الهيدروليكية، وإدارة المشروعات (قسم التصميم)، ليضع اللبنات الصلبة لأولى محطات خبرته المهنية.
*في باحة الاغتراب: المنطقة الشرقية والعطاء (1983 – 2003م)*
وفي رحاب المملكة العربية السعودية، حيث شكّلت المنطقة الشرقية محطة إشعاع وتفاعل اجتماعي ومهني فريد، حطّ المهندس أحمد رحاله، فمكث طوال عشرين عاماً (1983 – 2003م) مكرساً جهده في مجال تكنلوجيا الخرسانة الجاهزة وهو تخصص نادر، ولم تكن سنوات الاغتراب لديه سنوات عمل تقليدية، بل كانت محطات لتطوير الذات، حيث نال خلالها شهادتي دبلوم متخصص في تكنولوجيا الخرسانة، إحداهما في المملكة والأخرى في ألمانيا، ليعزز خبرته العملية بالعمق الأكاديمي العالمي.
ويروي لنا المهندس أحمد قصة اختياره ممثلاً للمهندسين في الجالية وتأسيس شركة المهندسين في الشرقية بالقول:
“وقد جاء انضمامي للجنة التنفيذية للجالية الشرقية بناءً على اختيار لتمثيل قطاع المهندسين، حيث كان أعضاء اللجنة يمثلون مختلف قطاعات المقيمين. وفي أول اجتماع للجنة التنفيذية، أخبرت المجتمعين برغبتي في جمع مهندسي المنطقة الشرقية وطرح مسألة اختيار من يمثلهم بشفافية تامة، وبالفعل قدمت دعوة لكافة المهندسين، وتم عقد الاجتماع في فندق الدمام برعاية الجالية، حيث وافق المجتمعون على اختياري لتمثيلهم في الجالية. لم يكن ذلك الاجتماع مجرد محطة تمثيل، بل كان سانحة لطرح فكرة رائدة لإنشاء شركة للمهندسين، والتي تحولت إلى واقع بمساهمة عامة، وترأس مجلس إدارتها المهندس يس الصغير، وقامت بتنفيذ أعمال نوعية في السودان قبل أن تتعثر لاحقاً بسبب الأوضاع الاقتصادية المتقلبة بالبلاد.”
ويضيف مسترجعا ذكريات العمل العام: “وظللت عضواً فاعلاً بالجالية حتى مغادرتي السعودية متوجهاً إلى سد مروي عام 2003م، وكنت حاضراً وشاهداً على إحدى أسمى محطات العمل العام عندما حظيت الجالية بتصديق رسمي لإقامة دار لها بالدمام، حيث تشرفت بالمشاركة الفاعلة في تأسيس هذه الدار. كما شاركنا بكل حماس وإخلاص في كافة الفعاليات والمؤتمرات التي نظمتها الجالية، وعلى رأسها مؤتمرات الكفاءات السودانية التي تشكّل علامة فارقة في مسيرة التواصل والتنسيق بين الكفاءات بالمهجر.”
*الصدفة المباركة.. وبداية ملحمة سد مروي*
في العام 2003م، عاد مهندسنا إلى السودان لتلبية نداء الوطن والمشاركة في حلم الأجيال “سد مروي”. وعن قصة انضمامه للسد، يروي المهندس أحمد بذاكرة حية تفاصيل لا تُنسى:
“كنت أعلم أن هناك جهداً من الدولة لتشييد سد مروي والذي تأخر كثيراً بسبب العقبات التمويلية، وأتيحت لي فرصة الاطلاع على كميات الخرسانة المطلوبة للتشييد، والتي بلغت حوالي 2 مليون متر مكعب، وهذا تخصصي تماماً، ولكن لم أكن أعلم متى سيبدأ العمل!
في أحد الأيام، تمت دعوتنا إلى اجتماع اللجنة التنفيذية للجالية بالمنطقة الشرقية وكنت ممثلاً للمهندسين، وكان رئيس الجالية هو الأستاذ محمد أحمد مكي، وكان ضمن الحضور المهندس عز الدين الحاج، وكان يحمل معه صحيفة (الخرطوم)، وجلس قبالتي يقرأ فيها. فوقع نظري على صفحة إعلان بتعيين مهندسين لسد مروي! فقلت للأخ عز الدين: (أعطني الصحيفة بعد الانتهاء من قراءتها)، فناولني إياها، وتقدمت بطلبي مشفوعاً بشهاداتي وخبراتي إلى السد وتم قبولي.
وهنا تكمن المفارقة القدرية، إذ يروي المهندس أحمد ما أخبره به أحد مسؤولي التوظيف لاحقاً:
“أن شهاداتي في مجال تكنولوجيا الخرسانة أزالت معضلة كانت تقف أمامهم، حيث إن شركة (لاهماير) الألمانية الاستشارية للمشروع طلبت منا وصفاً للكادر الفني، وكان هناك توصيف (مهندس تكنولوجيا الخرسانة) واحترنا في هذا الوصف، وكانت شهاداتك برداً وسلاماً علينا!”
وهنا نقف وقفة تأمل واعتراف بالفضل، إذ إن تخصص “تكنولوجيا الخرسانة” كان من التخصصات السودانية النادرة التي تم دراستها نظرياً فحسب، بينما لم يمتلك السودان في ذلك الوقت القدرة التطبيقية عليها نظراً لتعقيداتها الكبيرة – شأنه شأن تخصصات دقيقة أخرى – حيث كان الجانب العملي حكراً على الدول الخارجية. وحين فتحت الدولة أبوابها واستنفرت طاقاتها عبر مشروع سد مروي، فأدركت الدولة بأن الخبرة العملية المحلية في هذا المجال كانت تكاد تكون صفراً، ولذلك شكّل المهندس أحمد الخبرة السودانية الفذة والوحيدة القادرة على فهم لغة الألمان والتعامل معهم بندية واحترافية. وبفضله وبفضل من عملوا معه، اكتسب السودان الخبرة المباشرة من الخبراء الألمان، لتكتمل حلقاتها وتتحول إلى مدرسة حقيقية عكسها في التدريب ونقل المعرفة، واليوم وبكل فخر نستطيع أن نقول إن السودان بات يمتلك كوادر وخبرات قادرة على إقامة أي سد من الألف إلى الياء، وبذلك ساهم نجاحه في توطين هذا التخصص الدقيق بالبلاد.
إن أعظم ما في هذه الملحمة هو أن يستنفر الإنسان نفسه للوطن عندما تفتح الدولة آفاق العمل والمشروعات الكبرى، لتتلاقى وتتكامل طموحات الدولة مع إخلاص الكفاءات الوطنية، ولعل ذلك مما يحسب للتجربة في مروي ودورها في تهيئة المناخ لمثل هذه الإنجازات الخالدة.
ويواصل المهندس احمد روايته “عُينتُ مهندساً لتكنولوجيا الخرسانة، وهي وظيفة تتبع لإدارة الأعمال الخرسانية التي كان يرأسها المهندس تاج السر حسن عبد العاطي، ولكن بعد ثلاثة أشهر فقط، تقدم المهندس تاج السر باستقالته للانضمام إلى جامعة الجزيرة، فتقلدت من بعدها وظيفة مدير إدارة الأعمال الخرسانية، ولاحقاً في الثلث الأخير من مرحلة التشييد، أصبحت نائباً للمهندس المقيم. ونسبة لكبر حجم المشروع وتعدد مناشطه، تم تخصيص إدارة لكل منشط، كالأعمال الخرسانية، والأعمال الترابية، والأعمال الجيولوجية، وإدارة الأجهزة والقياس، وإدارة البيئة والسلامة، إضافة إلى إدارات متخصصة للأعمال الهيدروميكانيكية والإلكتروميكانيكية. وكانت كل تلك الإدارات تعمل متناغمة بعضها مع بعض نظراً لتداخل الأنشطة، وكان هذا أكبر التحديات التي واجهت المشروع، بمعنى أن أي تأخير في أي منشط يتسبب في تأخير غيره من المناشط.
المقاول كان شركة صينية، والاستشاري شركة ألمانية، ونحن نمثل المالك، وكل إداراتنا تعتبر موازية لإدارات المقاول حيث نسعى للتكامل مع الاستشاري لمتابعة تنفيذ أعمال المقاول والتأكد من معايير الجودة والتي كانت همنا الأول.
*مدرسة سد مروي: هندسة الرقابة وتوطين المعرفة*
وفي هذا السياق، يوضح المهندس أحمد جانباً تنظيمياً وابتكارياً قائلاً: “من الأشياء المميزة أن الوحدة خلقت جسماً فنياً يمثل المالك ويعمل بصورة موازية ومطابقة لعمل الاستشاري والمقاول، بالتنسيق التام مع الاستشاري، لمتابعة كافة العمليات والتأكد من تطبيق المعايير بدقة. والمعمول به عالمياً أن يكون للمالك ممثل وحيد وهو (المهندس المقيم) يترك للاستشاري مراقبة تنفيذ أعمال المقاول، وهذا ربما يترك للاستشاري مساحة للتجاوز مع المقاول، أما بسد مروي فالأمر مختلف، فمهندسو الوحدة يتابعون الأعمال الكلية جنباً إلى جنب مع الاستشاري ولهم حق المتابعة الميدانية والاعتراض على أي نشاط إذا كان هناك شك في أي معيار.”
ويشير المهندس أحمد إلى أن وحدة تنفيذ السدود – وهي الجهة المكلفة بتنفيذ بناء السد – قد ابتكرت أسلوباً منح الكادر السوداني الفرصة الواسعة في التعلم والتدريب، واشترطت على المقاول أن يقوم بتعيين ما لا يقل عن 60% من العمالة (الماهرة وغير الماهرة)، إضافة إلى عدد مقدر من المهندسين والفنيين. كما اشترطت على الاستشاري أن يستوعب كادراً محلياً من ضمن فريقه لاكتساب الخبرة في مجال الاستشارات، واستيعاب مهندسين محليين عن طريق شركات ومكاتب هندسية سودانية.
أضف إلى ذلك، لتعزيز مبدأ التدريب، حيث تم إنشاء إدارة خاصة للتدريب، وتم تدريب عدد كبير من المهندسين من مختلف التخصصات، وأشرف على التدريب الكادر الفني بالسد، كما أتينا بطلاب الهندسة والأساتذة لزيارة السد والوقوف ميدانياً على التنفيذ الذي تم بأعلى المعايير.
*التحديات والحلول العالمية على أرض السودان*
يستحضر المهندس أحمد تلك المرحلة قائلاً:
“تمثلت أكبر التحديات في التداخل المعقد بين الأعمال المختلفة (المدنية والكهربائية)، حيث إن أي تأخير في أي منشط قد يتسبب في تعطيل غيره. وبما أن السد شُيِّد على مجرى مائي طبيعي، فقد تطلب ذلك ضبطاً دقيقاً للغاية في التنفيذ، لأن أي تأخير بسيط قد يتسبب في تأخير عام كامل نسبة لاختلاف جريان النهر، وكان هذا يسبب ضغطاً كبيراً على الفنيين في السد باعتبار أن الشعب السوداني يعول على انتهاء أعمال السد لينعم الجميع بالكهرباء.
أيضاً من التحديات الكبرى التي واجهت المهندس السوداني تعامله مع أحدث ما وصل إليه العالم من تقنيات جديدة خاصة في مجال الخرسانة وضرورة مواكبة هذا التقدم، ففي السنوات الماضية حدث تطور كبير في مجال تقنيات البناء وأصبح هناك إضافات للخرسانة لتحسين أدائها، وكان المهندس السوداني بعيداً عنها خاصة الذين عملوا داخل البلد. لقد استطعنا تجاوز ذلك بالتدريب المستمر والاستفادة القصوى من الكادر الأجنبي بالسد.
وحين كانت تتطور هذه التقنيات يوماً بعد يوم، أحياناً نفاجأ بأن هناك تقنية جديدة تحتاج إلى تعديل بعض المواصفات، كنا نلجأ إلى استقدام خبراء عالميين للتشاور معهم في أمر فني جديد، ونعقد لذلك ما يُسمى (لجنة الخبراء العالميين) والتي تناقش التحديات الماثلة أمامنا وتقوم بإيجاد حلحلة لتلك القضايا الفنية. وقد عقدنا طوال فترة التنفيذ 9 لجان خبراء عالميين اشترك فيها خبراؤنا السودانيون جنباً إلى جنب مع الخبراء الأجانب. وإلى جانب ذلك، تكللت الجهود بتكوين لجنة سُميت (اللجنة الفنية الاستشارية العليا) وتضم نخبة من علمائنا في مختلف التخصصات، وكانت تتابع تنفيذ المشروع وتتشاور مع الاستشاري في الأمور الفنية.”
*القيمة المضافة للسد ومشروع شريان الشمال.. وفاء للرجال*
وعن القيمة المضافة للسد، يقول المهندس أحمد: “تعتبر الطاقة الكهربائية عنصراً هاماً لدفع عجلة التنمية بالبلاد، قبيل السد كان التوليد الكلي بالسودان (حرارياً ومائياً) يدور في حدود 1000 ميقاواط، وجاء سد مروي ليرفد الشبكة القومية بحوالي 1250 ميقاواط، أي ضعف ما كان عليه، ومن هنا تكمن الأهمية الاستراتيجية القصوى للمشروع للبلاد. وهذا المشروع قديم ودراساته مكتملة منذ عقود، إلا أن التكلفة العالية حالت دون تنفيذه في أوقات سابقة، إلى أن استطاعت الحكومة أن تستقطب دعم المشروع من الصناديق العربية وبعض الدول مثل سلطنة عمان والجزائر والصين، وكان لدعم الحكومة -خاصة للمكون المحلي- دور بارز في دفع المشروع للأمام.”
ويواصل قائلاً: “ومن أهم البنى التحتية التي ساهمت في تسهيل وصول الآليات والمعدات والمواد إلى موقع السد كان مشروع (شريان الشمال). ومما يجدر ذكره في هذا السياق، أن السيد محمد أحمد مكي -رئيس الجالية الأسبق بالمنطقة الشرقية- هو من ابتدر تشييد مشروع شريان الشمال وذلك في أوائل عقد الثمانينات، وتابع المشروع قطاعاً قطاعاً وتابعه حتى اكتمل بطول 303 كيلومترات من أم درمان حتى الملتقى، وعن هذا الموقف، يروي المهندس أحمد:
“وعندما زارنا في السد وكان يوم جمعة وبعد صلاة الجمعة قدمته للمصلين والذين هم قادة السد، وقلت لهم: (هذا الرجل من شيد شريان الشمال ولم يجد التكريم اللازم لهذا العمل وهو ليس بحاجة إلى ذلك، ولكن الحق أحق أن يُذكر).” فالتحية لهذا الرجل العملاق.
*المشروعات المصاحبة والأثر الاستراتيجي*
وعن الأبعاد الأوسع للمشروع، يوضح المهندس أحمد قائلاً: “لم تقتصر فائدة المشروع على توليد الطاقة فحسب، فقد اهتمت وحدة تنفيذ السدود بتنمية منطقة السد وفاءً بالتضحيات الكبيرة التي قدمها أهالي المنطقة وذلك عبر إعادة توطينهم. كما شملت المشروعات المصاحبة إنشاء شبكة لربط المنطقة ببقية أجزاء السودان، وتشييد 5 كبارٍ على النيل، ومطار بمروي، ومستشفى مرجعي. وقد ساهمت هذه البنى التحتية بصورة فعالة لاحقا في تخفيف آثار الحرب، حيث ساعدت الطرق والكباري في سهولة انتقال المواطنين من مناطق الحرب في العاصمة والجزيرة وغيرها إلى الولايات الشمالية، وكذلك المستشفى المرجعي بمروي كان قبلةً لطالبي التطبيب خاصة الأمراض المستعصية مثل أمراض القلب والأورام. أيضاً كهرباء السد كانت الداعم الأساسي للطاقة بعد توقف كل المحطات الحرارية في العاصمة.”
إن سيرة المهندس أحمد عبد الله دفع الله تظل علامة مضيئة في سجل الكفاءات السودانية، بدأت من طابت والجزيرة، مروراً بتألق لامع في جمعيات وروابط الجالية السودانية بالمنطقة الشرقية بالمملكة، وتكللت بصمت وعمل شاق في ترويض نهر النيل وبناء سد مروي العظيم. إنها شهادة حية بأن جالية الشرقية لم تكن قط مجرد تجمع مهاجرين، بل كانت بحق “حاضنة للرجال” ومنارةً للوطنية الخالصة وفي مقال آخر إن شاء الله نتناول كفاءة أخرى.









