توثيقاً لجهود الرواد وصونا لذاكرة الجالية السودانية في المنطقة الشرقية (الجزء السادس) بقلم : هشام عثمان مكي

*الجمعيات المناطقية والروابط المهنية ركيزة أساسية للجالية*
أمدني الأستاذ أحمد حسين خيري بعدد من الملفات والصور والنصائح، وخيري هذا يفيض طاقة إيجابية فهو على رأس مجموعة السلام للرياضة والثقافة والفنون، ورابطة الفنان صديق سرحان، وفوق هذا يُعد من أنشط أعضاء جمعية أبناء سلنارتي، وهي إحدى الجمعيات المناطقية المؤسسة للجالية ما بعد نظامها الجديد في العام 1999م. وإن كان لابد من كلمة وفاء في حق جمعيات أهل الشمال (الدناقلة، والمحس، والسكوت، والحلفاويين)، فيُحمد لهم أنهم أرسوا هذا الموروث الجميل وأسسوا لثقافة (الجمعية)، وعلى دربهم سار بقية أهل السودان، فجمعية أبناء مشو في الدمام قد تأسست في العام 1954م وما زالت قائمة، بينما يعود تاريخ تأسيسها في مدينة جدة إلى قرابة المائة عام.
وهناك تجارب عظيمة للجمعيات المناطقية ودورها المحوري في الجالية، مثل جمعية أبناء أوربي، وأبناء البرقيق، وأبناء بدين، وأبناء أردوان، وأبناء القولد التي رفدت الجالية بأنشط أعضائها الأستاذ أحمد محمد الزين، وجمعية أبناء بنا، وجمعية أبناء كودي التي نشط منها في مجلس الجالية الأستاذ السر سيد أحمد، وجمعية أبناء الغابة، ثم انتشرت الجمعيات في الشرق والغرب والوسط والجنوب، لتشكل عشرات الكيانات النشطة فما تكاد الان قرية في السودان الا ولها جمعية، وهذا أنموذج تكافلي واجتماعي وثقافي ووطني فريد لا يُوجد إلا عند أهل السودان.
فكانت جمعية أبناء رفاعة، وجمعية أبناء العزازة، وجمعية الرباطاب، وجمعية أبناء سنار التي مثلها في المجلس عدة مرات الأستاذ حاتم عكريب، وجمعية أبناء جبال النوبة منذ الأستاذ محي الدين شبو، وجمعيات أبناء دارفور التي برز منها العضو الأنشط في اللجنة التنفيذية للجالية المهندس أحمد الشريف، فضلاً عن جمعية أبناء الزومة التي قدمت للجالية الأستاذ السر خشم الموس، كما برز اتحاد أبناء مروي، ويُحسب للأستاذ الصادق عثمان الحسن أمين عام الاتحاد الآن أنه أول من باشر أعمال السكرتارية للجالية، ولذلك لابد أن يساهم الصادق في هذا العمل التوثيقي ويقول كلمته.
وإن كان بعض الرموز الذين ناصروا الجالية طوال سنوات لا يمكن حصر مكانتهم في جمعية واحدة، مثل المهندس بشرى سعيد، والزعيم بابكر عثمان، والشيخ أحمد الحاج (الساقية)، والاستاذ حسن عبد المنعم، وذلك لما قدموه من مواقف خيرة وبصمات لا تُنسى.
كما ظهرت الروابط المهنية التي تزخر بالنخب والكفاءات العالية في شتى التخصصات، وسعت الجالية لتشكيل الروابط التي لم تكن مُشَكَّلة من قبل كروابط الأطباء، أساتذة الجامعات، المهندسين، القانونيين، البياطرة، المدرسين، الزراعيين، المترجمين، الرياضيين، والمحاسبين، ونجحت الجالية في ضمها تحت مظلة مجلس عام والجالية، مع الإشارة إلى أن الأستاذ مبارك خضر محمد عندما استلم أمانة الجمعيات والروابط في آخر دورة للمجلس العام وجد (87) جمعية ورابطة مسجلة في الجالية.
هذه الروابط المتعددة لم تكن يوماً مجرد واجهات مناطقية أو مهنية فقط، بل كانت القاعدة الفعلية التي استندت إليها الجالية لصنع أميز محطاتها، ومن إرث هذا التنظيم المجتمعي المتجذر، ننتقل إلى الحديث عن محطاتنا الكبرى المتمثلة في المؤتمرات والعمل الثقافي.
*إقامة مؤتمرات الكفاءات والخبرات (2003م)*
تُعد هذه المؤتمرات ذروة إنجازات الجالية وأبرز محطاتها التاريخية، والتي أقيمت بموافقة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز -أمير المنطقة الشرقية- الذي قال لوفد الجالية عند استئذانه: “إن والدي أوصاني بالسودانيين خيراً” (رحمهما الله). وشرف أيامها الافتتاحية السفير عثمان الدرديري سفير السودان بالرياض، والأستاذ صلاح الدين عمسيب نائب الأمين العام لجهاز المغتربين، إذ نجحت في استقطاب أكثر من (100) كفاءة وخبرة من شتى التخصصات.
التحضير لهذه المؤتمراتِ بدأ في 20 ديسمبر 2002م واستمر حتى ختامها في مارس 2003م، من خلال أربع ورش عمل أُقيمت في جلسات مختلفة، حيث سُلمت الأوراق العلمية المتخصصة الناتجة عنها بالكامل إلى الجهات المختصة في السودان بهدف خدمة الوطن، والعائدين، والمغتربين. ومن خلال مراجعة بعض مطبوعات المؤتمرات، تم التوصل إلى الأوراق التالية مع بيان فوائدها العلمية والتنموية:
• تطوير الثروة الحيوانية وحمايتها: قدمها أ.د/ محمد الأمين الطيب أبو الزين (الذي صنف في ذلك العام ضمن أفضل 100 عالم في هذا المجال)، وهدفت الورقة إلى وضع استراتيجيات علمية لحماية وتنمية الثروة الحيوانية بوصفها رافداً رئيسياً للاقتصاد الوطني والأمن الغذائي.
• التوليد الكهربائي في السودان الحاضر والمستقبل وتجارب بعض الدول في خصخصة وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء: قدمها أ.د/ إبراهيم الأمين ود. عبد الرحمن نصر شعيب، وعلق عليها المهندس مكاوي محمد عوض مدير كهرباء السودان حينها، وتمحورت فائدتها حول تقديم حلول عملية لتخفيف أزمات الطاقة واستعراض نماذج دولية ناجحة في إعادة هيكلة قطاع الكهرباء.
• الخدمات الصحية: قدمها أ.د/ شيخ إدريس عبد الرحيم، وركزت على سبل الارتقاء بالقطاع الصحي وتطوير البنى التحتية للخدمات الطبية والعلاجية في السودان.
• السلامة والأمن الصناعي: قدمها م/ عبد الله محمد أحمد وم/ أحمد عبد الله دفع الله، وهدفت إلى ترسيخ معايير السلامة المهنية وحماية المنشآت والكوادر العاملة من المخاطر الصناعية.
• المشاكل البيئية الناتجة من التلوث بالمبيدات والكيماويات: قدمها د/ عارف حسب المبارك، وقدمت حلولاً ومعالجات علمية للحد من الأضرار البيئية والصحية الناجمة عن الاستخدام العشوائي للكيماويات.
• المياه الجوفية في السودان (التواجد، المخزون، التلوث): قدمها الدكتور/ عبد الله الصديق، وركزت على تقييم المخزون المائي الجوفي وطرق حمايته من التلوث والاستنزاف لضمان استدامة مصادر المياه.
• الإيدز والأمراض المعدية: قدمها الدكتور/ محمد أحمد طه بمشاركة أ.د/ الدرديري أحمد بابكر، وهدفت إلى وضع برامج وقائية وعلاجية محكمة لمواجهة انتشار الأوبئة والأمراض المعدية وحماية المجتمع.
• التعليم عن بعد: قدمها المهندس/ كمال الصادق، وركزت على مواكبة الثورة التقنية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لتوسيع مظلة التعليم ونشر المعرفة الجغرافية والمهنية.
• ملامح حول التعليم الطبي: قدمها أ.د/ عبد الحميد لطفي وأ.د/ ميرغني محمد أحمد، وهدفت إلى تطوير مناهج وأساليب تدريس الطب بما يتناسب مع المعايير العالمية لتخريج كوادر طبية عالية الكفاءة.
كما تضمنت الفعاليات تخصيص جلسات حوارية نوعية أخرى حول قطاع التعليم، شارك في إدارة جلساتها والمداولات فيها كل من: أ.د/ ميرغني علي، أ.د/ حسن أبو عائشة، أ.د/ حافظ الشاذلي، أ.د/ صالح دفوعة، أ.د/ عبد الحميد لطفي، أ.د/ عبد الرحيم جميل، أ.د/ هاشم ياجي، وأ.د/ حسن بله. كما خصصت جلسة استماع للمؤتمرين حول استراتيجية السودان الربع قرنية قدمها أ.د/ عبد الله الشيخ.
وانتهى هذا العمل التراكمي الكبير ببرامج نقل المعرفة التي تبناها جهاز المغتربين، ومن الذين نشطوا في ذلك لاحقاً من الجالية البروفيسور حسن عبد الحفيظ والبروفيسور ابن الوليد علي حسين عبر مبادرة الشراكة السودانية لنقل المعرفة عبر المغتربين.
ولم يكن نجاح المؤتمرات أكاديمياً فحسب، بل امتد لتُختتم بحضور رسمي كبير، حيث حضر جلساتها الختامية خصيصاً من السودان وفد وزاري رفيع برئاسة وزير مجلس الوزراء الأستاذ كمال عبد اللطيف، والمهندس تاج الدين المهدي أمين جهاز المغتربين، وبحضور سفير السودان محمد أمين الكارب وآخرين. ووصل الوفد مباشرة إلى الدمام لدرجة أن السفارة اضطرت للحضور المبكر لاستقبالهم، في صورة واضحة تعكس حجم ومكانة جالية الشرقية.
وبعد الكلمة التي ألقاها رئيس الجالية الأستاذ محمد أحمد مكي عند تسليم التوصيات والأوراق في مارس 2003م، أشاد الوزير بالجالية قائلاً: “إن بعض أجندة مجلس الوزراء والتي ناقشناها بخصوص المغتربين كان مصدرها جالية المنطقة الشرقية”. وفي ضوء هذا التميز، شهد جهاز المغتربين عبر أمنائه العامين ومديري إداراته بأن جالية المنطقة الشرقية كانت في ألقها وريادتها طوال الفترة من 1998 وحتى 2017م. وهنا لابد من ذكر المهندس عز الدين الحاج أمين أمانة الإعلام بالجالية آنذاك، الذي قام بجهد جبار في هذا السياق.
ولم تقتصر المسيرة على ذلك، بل ظلت الجالية حاضرة ومشاركة بفاعلية في كل مؤتمرات جهاز المغتربين وصولاً إلى المؤتمر العام السابع في صيف العام 2018م، والذي شاركت فيه لجنة الجالية (7+7)، حيث ظلت الجالية تحرص على تسليط الضوء على تحديات المغتربين الملحة، وفي مقدمتها مطلب فتح مكتب قنصلي في مدينة الدمام، فضلاً عن متابعة تنفيذ توصيات مؤتمرات المغتربين ومناشدة الجهاز لتنظيم دورات تدريبية متخصصة للمغتربين.
ولم يقتصر النشاط على ذلك فحسب، بل امتد ليتجلى في المشاركة بوفد كبير برئاسة رئيس الجالية في المؤتمر العام السادس واختياره في لجنة صياغة التوصيات، إضافة إلى الدور في تبصير أبناء الجالية بممارسة حقهم في انتخاب مجلس إدارة الجهاز. ولخصت أوراق العمل والمذكرات أبرز التحديات في المشاكل الاقتصادية والمعيشية (ارتفاع تكاليف المعيشة، البطالة، التعليم والصحة)، والخدمات الأساسية (مشكلة السكن والإعفاءات الجمركية)، والتنمية المجتمعية.
*أبرز الأنشطة والفعاليات العامة والثقافية للجالية السودانية بالمنطقة الشرقية:*
دأبت الجالية على تنظيم الأيام المفتوحة والاحتفالات الترفيهية للأسر والأفراد بحضور مسؤولي السفارة، حيث أقيمت العديد من المناسبات الترفيهية في منتزه الأمير محمد بن فهد في شاطئ نصف القمر، وتتضمن توزيع الجوائز والشهادات للمسابقات بمشاركة الروابط والجمعيات والشركات والمؤسسات، وبحضور ورعاية السفارة دائماً.
المشاركة في “يوم الشعوب”: ضمن فعاليات مهرجان (صيف سايتك) بالخبر بتاريخ 3 يونيو 2014م، تأكيداً للتوثيق الوطني والسمعة الطيبة وتجسيداً للأخلاق الرفيعة (“للزول السوداني”) في التعامل مع الشعب السعودي ومختلف الجاليات الأجنبية.
الأسبوع الثقافي: أُقيم برعاية قنصل جمهورية السودان بالرياض، ونظمته أمانة الإعلام والمناشط الثقافية في المنطقة الشرقية تحت شعار (الجالية آفاق من الإبداع والتواصل) في فندق الدمام أوبروي خلال الفترة من 21 إلى 25 مايو 2006م، وشهد ندوات ومحاضرات قدمها نخبة من العلماء والمفكرين وسط حضور جماهيري واهتمام واسع من المغتربين.
المشاركة في مهرجان “ليالي الشرقية”: شاركت الجالية بفاعلية بفرق تراثية، وحصدت المركز الأول من بين ثماني جاليات مشاركة، وذلك بتاريخ 19 يناير 2018م. وهذا المنشط تحديداً اكتسب مزيداً من التنظيم، حيث ظهرت أسماء لأول مرة في الجالية رسمياً ضمن لجنة (7+7)، وهم: الدكتور عبد الله الصديق، والدكتور نور الجليل صباحي، والدكتور الدرديري الجيلي (الذي ترأس لجنة المشاركة)، والدكتور محمد عوض، والأستاذ محمد مصطفى المنصوري، والأستاذ فؤاد موسى (الذي أحضر عدداً من الفرق الشعبية)، والمهندس آدم مكرم. وقد أضاف هذا التشكيل الجديد لمسة مميزة على عمل الجالية الثقافي.
الفعاليات المستمرة: ظلت الجالية تنظم باستمرار الاحتفالات بأعياد الاستقلال، والأيام السودانية الترفيهية، والأيام المفتوحة، ويوم الأسرة، وتكريم أوائل الشهادة السعودية، وتكريم حفظة القرآن الكريم، فضلاً عن تنظيم محاضرات أثناء وجود البعثة القنصلية، وندوات عن تحديات الغربة والاغتراب، وتنظيم محاضرة جماهيرية كبرى حول قضية “سد النهضة”.
الإعلام والتواصل المجتمعي: نشرت الجالية إعلان تعزية باسم السودانيين في وفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في صحيفة “الشرق”، وللجالية علاقات متميزة مع صحيفة “البلاد” السعودية وعدد من الصحف والمواقع الإلكترونية الأخرى. وقد بدأت كذلك في إنشاء صفحات وحسابات رسمية للأمانة الإعلامية على منصة (فيسبوك) ومجموعات (واتساب) التي ساهم في نشرها الأستاذ محمد أبو الفقراء. وكانت الجالية دائمة التنسيق والفعالية مع هيئة الترفيه السعودية، وتتواجد باستمرار في نشاطات الجمعيات والروابط المختلفة.
النشاط الاجتماعي والتعليمي: تكريم الطلبة المتفوقين في جميع المراحل الدراسية خلال الأيام المفتوحة أو في احتفالات خاصة بحضور المسؤولين وأولياء الأمور لتحفيزهم ودفع زملائهم للاقتداء بهم. كما ظلت الجالية تتابع وتدعم النشاط الرياضي وروابط الأندية السودانية المختلفة كالهلال والمريخ وتشجيعها باستمرار.
ومع أن حصر وتوثيق هذه الأنشطة بحسب فترات اللجان التنفيذية المتلاحقة يتطلب دقة تفصيلية، إلا أننا سنقوم بإيراد أسماء اللجان وفتراتها الزمنية كاملةً في ملحق خاص ضمن حلقة قادمة بإذن الله، وفاءً لهذا التاريخ المضيء وحفظاً لذاكرة العمل العام.











