الأخبار

“مدينة النهود”.. كيف تحولت منهوباتها الى مورد للحرب؟

تحقيق استقصائي يتتبع، عبر شهادات وشكاوى قانونية ومقابلات ميدانية، مسار السيارات والمحاصيل المنهوبة منذ سقوط النهود في مايو 2025، وصولًا إلى أسواق دارفور قبل خروجها الى أسواق دول مجاورة ؛ اذ تستخدم “دارفور24” أسماء مستعارة لبعض المصادر الواردة في التحقيق.

متابعات _ عزة برس

في الأول من مايو 2025، وبعد ساعات من سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود بولاية غرب كردفان، حاول مكي فضل السيد مغادرة المدينة برفقة أسرته، وبينها زوجته الحامل في شهرها الأخير. لكن قوة مسلحة ترتدي زي قوات الدعم السريع أوقفته عند إحدى البوابات الغربية واستولت على سيارته من طراز ” تويوتا” تحت تهديد السلاح.

لم تكن تلك الحادثة استثناءً، بل كانت، بحسب شهادات متعددة، بداية موجة واسعة من الاستيلاء على سيارات المدنيين وشاحنات التجار ومخازن المحاصيل، في واحدة من أكبر عمليات النهب التي شهدتها مدن السودان منذ اندلاع الحرب.

وخلال الأشهر التالية بدأت تتكشف معالم أوضح لعمليات النهب، حيث وصلت شاحنات محملة بالصمغ والفول السوداني إلى مدينة نيالا، وأجهزة كهربائية ومنقولات بيعت بأسعار متدنية في الأسواق، وفي الوقت نفسه، اضطر بعض أصحاب الشاحنات إلى السفر إلى نيالا ودفع مبالغ مالية لاستعادة شاحناتهم دون حمولاتها من المحاصيل.

يعتمد هذا التحقيق على مقابلات مع متضررين وتجار وسائقين ومصادر عسكرية ومقاتلين سابقين، إضافة إلى مراجعة شكاوى قانونية، لتتبع مسار الممتلكات التي فُقدت بعد سيطرة قوات الدعم السريع على النهود، والتحقق مما إذا كانت عمليات النهب مجرد تجاوزات رافقت المعارك، أم أنها كانت عملية منظمة استخدمت فيها المنهوبات كوقود للحرب بطرق مختلفة.

مدينة تحت رحمة النهب
مع انسحاب الجيش السوداني وسيطرة قوات الدعم السريع على النهود، في الأول من مايو 2025، دخلت المدينة مرحلة من الفوضى الأمنية سرعان ما تحولت إلى موجة واسعة من نهب المنازل والأسواق وبورصة المحاصيل والمركبات، في وقت غابت فيه أي جهة قادرة على فرض الأمن أو حماية المدنيين.

ورغم إعلان قوات الدعم السريع يومها تشكيل لجنة أمنية تضم خمسين مركبة مسلحة لمكافحة ما وصفته بالظواهر السالبة وتأمين المدنيين والمنشآت العامة، إلا أن الشهادات التي جمعتها “دارفور24” تشير إلى أن عمليات الاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة استمرت لأكثر من أسبوعين، بالتزامن مع استمرار نزوح السكان وتوقف الأنشطة التجارية.

ويقول سكان؛ إن عشرات العائلات التي حاولت الفرار فقدت سياراتها عند مداخل المدينة، بينما استولى مسلحون على شاحنات كانت محملة بمحاصيل زراعية في انتظار التحرك إلى أسواق شمال السودان، حيث استمرت عمليات النهب لأكثر من أسبوعين، وشملت كذلك ممتلكات داخل المنازل أخذت بعد نزوح أصحابها أو في وجودهم تحت تهديد السلاح.

فارون من قرى النهود إلى غبيش.. صورة لـ “غرفة الطوارئ والبناء غرب كردفان”.. مايو 2025
وكانت مدينة النهود تمثل أحد أهم مراكز تجارة المحاصيل النقدية في البلاد قبل الحرب ؛ إذ تضم بورصة رئيسية للفول السوداني والصمغ العربي تستقبل إنتاج ولاية غرب كردفان وأجزاء من دارفور قبل نقله إلى الأسواق المحلية أو موانئ التصدير.

يقول عبد الهادي إسماعيل، أحد كبار تجار المحاصيل بالمدينة، لـ”دارفور24″ إن مخازنه تعرضت لعمليات نهب متواصلة استمرت عدة أيام، حيث كانت الشاحنات تتوقف أمامها لتحميل المحاصيل ومغادرة المدينة. وأضاف أنه لم يتمكن من إنقاذ جزء من مخزونه إلا بعد تدخل أحد معارفه لدى قيادات في قوات الدعم السريع، لتُكلَّف بدورها قوة بحراسة الموقع، ما سمح بإخراج الكميات المتبقية.

ولا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية لحجم الخسائر التي لحقت بالمدينة، لكن سبعة شخصيات من أعيان مدينة النهود بينهم تُجار تحدثوا لـ”دارفور24″ قدموا تقديرات متقاربة تشير إلى نهب ما لا يقل عن 7 آلاف مركبة، تتنوع بين سيارات خاصة وشاحنات نقل وآليات تجارية كانت منتشرة داخل المدينة أو في بورصة المحاصيل إضافة إلى الأثاثات المنزلية والمحاصيل الزراعية.

وعلى الرغم من أن بعض أصحاب السيارات المنهوبة من النهود لم يستبعدوا أن يتم استخدام سياراتهم في الأعمال العسكرية لجهة أنها سيارات ذات دفع رباعي، إلا أن مصدراً في قوات الدعم السريع بغرب دارفور مشترطاَ خجب اسمه ورتبته قال لـدارفور24 “ ان اغلب السيارات ذات الدفع الرباعي اعيد استخدامها في القتال ضد الجيش من خلال تعويض الدعم السريع المستولين عليها مالياً وادخالها الميدان ؛ بينما بيع بعضها لتجار الاستيراد على الحدود مع دولة تشاد مقابل توريد كميات من الوقود والمؤن لصالح قوات الدعم السريع والامر نفسه حدث لشحنات الصمغ العربي والفول السوداني تمت مقايتضة كميات كبيرة منها مقابل شحنات الوقود المتجهة الى ساحات القتال والاخرى عبرت الى موانئ التصدير في دول مثل الكاميرون وبنين .

مسار المنهوبات
بعد أيام من سقوط النهود، بدأت تتكشف مؤشرات على أن جزءاً كبيراً من الممتلكات المنهوبة نُقل إلى مدن أخرى في دارفور، وفي مقدمتها نيالا. وحصلت “دارفور24″ على إفادات من مصادر عسكرية شاركت في تأمين قوافل خرجت من النهود، أفادت بأن ما لا يقل عن 80 شاحنة محملة بالفول السوداني المقشور وصلت إلى نيالا في 7 مايو 2025. ووفقاً لهذه المصادر، تمت عمليات النقل بتوجيهات من قائد ثاني قوات الدعم السريع الفريق عبد الرحيم حمدان دقلو، الذي زار موقع تجمع الشاحنات بعد وصولها إلى المدينة.

وأضافت المصادر أن قيادة الدعم السريع شكلت لجنة للنظر في أوضاع الشاحنات، وأقرت بإعادة المركبات التي يثبت أصحابها ملكيتها ولا تُنسب إليهم صلات بالنظام السابق، بينما ظل مصير الحمولات مختلفاً.

وتتوافق هذه الرواية مع شهادات عدد من أصحاب الشاحنات الذين تحدثوا لـ”دارفور24”. وقال أحدهم إنه فقد شاحنته المحملة بالفول السوداني في النهود، قبل أن يتلقى اتصالاً من سائقه، الذي أُجبر مع عشرات السائقين على مرافقة قافلة الشاحنات إلى نيالا. وأضاف أنه توجه إلى المدينة ومعه مستندات الملكية، وتمكن من استعادة شاحنته بعد استكمال إجراءات أمام لجنة مختصة، لكنه اضطر إلى دفع نحو 100 مليون جنيه سوداني لتسريع إجراءات الافراج عن شاحنته، وفق قوله.

كما أفاد سائق من ولاية شرق دارفور بأن مئات الشاحنات التي كانت تنتظر نقل الفول السوداني جرى الاستيلاء عليها بعد إبعاد سائقيها، مشيراً إلى أن بعض أصحابها استعادوها لاحقاً عبر وساطات مقابل مبالغ مالية، دون استرداد أي من الحمولات.

وقال أحد كبار تجار الصمغ العربي في مدينة نيالا إن كميات كبيرة من الصمغ وصلت إلى المدينة خلال يونيو 2025، بعد أسابيع من سيطرة قوات الدعم السريع على النهود، إلا أنها لم تُعرض للبيع داخل السوق كما حدث مع الفول السوداني.

وأوضح التاجر أن شحنات الصمغ كانت تُنقل تحت حراسة مشددة من عناصر قوات الدعم السريع، قبل أن تغادر في اتجاه الحدود مع تشاد، مشيراً إلى أن عدداً من التجار حاولوا، عبر وسطاء وعلاقات شخصية، شراء جزء من تلك الكميات، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب إحكام استخبارات قوات الدعم السريع سيطرتها على الشحنات التي جُمعت داخل بورصة نيالا شرقي المدينة.

وفي السياق قال موظف بالإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور، طلب حجب هويته، إن عشرات الشاحنات التجارية القادمة من النهود كانت قد جُمعت داخل بورصة نيالا بتوجيهات مباشرة من قيادة قوات الدعم السريع، بينما لا تملك الإدارة المدنية سلطة التصرف فيها أو الإشراف على حركتها.

كذلك روى أحد المواطنين لـ”دارفور24″ أنه فقد سيارته من طراز “3L” كانت تعمل في نقل الركاب بين النهود ومناطق شرق دارفور، بعد الاستيلاء عليها خلال الهجوم على المدينة. وقال إنه نشر صور السيارة في مجموعات التواصل الاجتماعي وأبلغ أقاربه داخل دارفور، قبل أن يتلقى بعد نحو ثلاثة أشهر من فقدانها معلومات تفيد بوجودها في حي الوادي بمدينة نيالا.

وأضاف أن الشخص الذي كانت بحوزته السيارة أخبره بأنه اشتراها من أحد مقاتلي قوات الدعم السريع مقابل خمسة ملايين جنيه سوداني، وبعد مفاوضات وافق مالك السيارة على دفع المبلغ نفسه لاستردادها، حيث تسلمها أحد أقاربه في نيالا.

من المنازل إلى الأسواق
تقول ليلى عبد الرحمن وهي من سكان مدينة النهود، إنها شاهدت منذ الساعات الأولى للهجوم عشرات المسلحين يتجهون نحو الأحياء السكنية المحيطة بالسوق الكبير، حيث جرى اقتحام المنازل والاستيلاء على محتوياتها، بينما تعرض بعض السكان الذين رفضوا تسليم ممتلكاتهم للاعتداء تحت تهديد السلاح.

بورصة سوق النهود.. صورة من “سونا”.
من جهته قال أحد المحصلين في زريبة المحاصيل بالنهود إن سجلات السوق كانت تشير إلى وجود نحو 500 شاحنة محملة بالفول السوداني والصمغ العربي أنهت إجراءاتها الإدارية قبل الهجوم وكانت متوقفة داخل البورصة والأحياء المجاورة بانتظار التحرك إلى وجهاتها. وأضاف أن معظم هذه الشاحنات فقدت بعد السيطرة على المدينة، فيما تمكن عدد محدود من أصحابها من استعادتها لاحقاً من نيالا أو الجنينة بعد دفع مبالغ مالية متفاوتة، بينما كانت الشحنات نفسها قد فُقدت أو بيعت.

وأشار المصدر إلى أن المجموعات المسلحة اضطرت أثناء إخراج الشاحنات إلى ردم أجزاء من خندق دفاعي كان الجيش قد أنشأه قبل انسحابه، باستخدام كميات من الجوالات المعبأة بالفول السوداني لردم طريق السيارات.

وتدعم هذه الرواية شهادة سائق إحدى الشاحنات، الذي قال إنه أُجبر تحت تهديد السلاح على قيادة شاحنته باتجاه دارفور، وظل محتجزاً حتى وصوله إلى منطقة أم كدادة بولاية شمال دارفور، حيث أُطلق سراحه بعد اتفاق مالي تجاوز خمسين مليون جنيه سوداني، قبل أن يدفع مبلغاً إضافياً لتأمين مرور شاحنته نحو الولاية الشمالية.

وفي أم كدادة، قال شاهد العيان عماد الدين موسى، إن البلدة شهدت وصول مئات الشاحنات التجارية القادمة من النهود، إلى جانب أعداد كبيرة من المركبات الخاصة والأجهزة الكهربائية ومنظومات الطاقة الشمسية والآليات الزراعية والأثاث المنزلي.

كما أفاد بأن بعض قادة قوات الدعم السريع استنفروا شباناً من مناطق شمال دارفور للمشاركة في الهجوم، مع وعود بالحصول على الغنائم، وهي رواية تتقاطع مع شهادات أخرى وثقها التحقيق حول استخدام الممتلكات المنهوبة كحوافز للاستنفار.

وفي بلدة منواشي على الطريق بين الفاشر ونيالا، قال سكان إنهم شاهدوا مئات الشاحنات والسيارات الصغيرة تعبر البلدة قادمة من النهود، بينما بيعت بعض الشحنات في الطريق بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها السوقية، وشملت الفول السوداني والصمغ العربي والأجهزة الكهربائية ومنظومات الطاقة الشمسية.

تقرير أممي: نهب النهود جزء من اقتصاد الحرب
ويعضد الشهادات الميدانية الواردة في هذا التحقيق ما خلص إليه تقرير أصدرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في 15 يوليو الجاري، والذي اعتبر أن اقتصاد الحرب في السودان بات أحد العوامل الرئيسية التي تطيل أمد النزاع، من خلال السيطرة على الموارد الطبيعية وسلاسل الإمداد واستخدامها في تمويل العمليات العسكرية.

وخص التقرير مدينة النهود باعتبارها واحدة من أبرز حلقات هذا التحول، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع نهبت في مايو 2025 بورصة الصمغ العربي ومستودعاتها وأجزاء من السوق الكبير، في وقت كانت فيه المخزونات مهيأة للتصدير، ما أدى إلى تعطيل التجارة المحلية وإلحاق خسائر واسعة بالتجار والمنتجين.

وحذر التقرير من أن استمرار تداول السلع السودانية القادمة من مناطق النزاع دون آليات فعالة لتتبع منشئها قد يسهم في تمويل النزاع أو يفاقم الانتهاكات المرتبطة به، داعياً الدول والشركات العاملة في تجارة الصمغ العربي إلى تشديد الرقابة على سلاسل الإمداد وضمان عدم تحول التجارة إلى وسيلة لإدامة الحرب.

المنهوبات في الأسواق
وبالتزامن مع وصول الشاحنات إلى نيالا، بدأت أسواق المدينة تستقبل كميات كبيرة من السلع التي قال تجار إنها جاءت من النهود. ورصدت “دارفور24” يومها عرض أجهزة كهربائية وأثاث منزلي في سوق “شكيك” بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها المتداولة. وقال أحد التجار إن السوق استقبل ثلاجات وأجهزة تكييف وحواسيب وهواتف وخلاطات منزلية، بيعت بأسعار تقل أحياناً إلى النصف مقارنة بالأسواق النظامية.

وفي الوقت نفسه، أكد تجار محاصيل أن عشرات الشاحنات المحملة بالفول السوداني وصلت إلى نيالا وعُرضت للبيع عبر وسطاء، بينما قال صاحب مصنع لإنتاج الزيوت إن كميات من الفول السوداني المقشور عُرضت عليه بأسعار تقل كثيراً عن السعر السائد في السوق، إذ تراوح سعر الطن بين 550 و800 ألف جنيه، مقابل أسعار تجارية تجاوزت مليون جنيه للطن.

كما سجلت أسواق في شرق دارفور انخفاضاً ملحوظاً في أسعار الفول السوداني خلال الفترة نفسها، وهو ما ربطه تجار بزيادة المعروض بعد وصول المحاصيل القادمة من النهود.

قوات الدعم السريع
“الغنائم” كحافز للقتال
قادت الشهادات التي جمعتها “دارفور24” إلى أن عمليات النهب لم تكن مجرد تجاوزات فردية، وإنما ارتبطت بآلية استقطاب قام بها بعض قادة قوات الدعم السريع للمقاتلين قبل الهجوم على مدينة النهود. وقال أحد المستنفرين، الذي شارك في الهجوم على المدينة، إنه لم يكن جنديا في قوات الدعم السريع وإنما جرى تجنيده مع آخرين في مدينة غبيش في غرب كردفان على أساس أن ما يحصلون عليه من “غنائم” سيكون من نصيبهم، وأنهم أُبلغوا بأن النهود تضم ممتلكات تعود إلى عناصر من النظام السابق.

وحصلت “دارفور24” على شهادات أخرى من مقاتلين ومصادر محلية تحدثت عن استخدام “الغنائم” كوسيلة لتشجيع المستنفرين على المشاركة في الهجوم على النهود، وذكرت أن عمليات الاستنفار أشرف عليها عدد من القادة الميدانيين، بينهم الفاتح قرشي، والتجاني شمال، وعلي رزق الله “السافنا”، وحامد عبد الغني، كل في منطقته الجغرافية ومنسوبي قبيلته.

وتتسق هذه الشهادات مع ما وثقه التحقيق من أن عمليات النهب لم تقتصر على أهداف عسكرية، بل شملت السيارات الخاصة والشاحنات التجارية ومخازن المحاصيل والمتاجر وأثاثات المنازل، بينما كانت تنقل من المدينة تحت سمع وبصر قيادة قوات الدعم السريع.

من الشهادات إلى ساحات القضاء
بعد عام من سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود، دخل ملف الممتلكات المنهوبة مساراً قانونياً مع شروع عشرات المتضررين في اتخاذ إجراءات قضائية للمطالبة بمحاسبة المسؤولين واسترداد حقوقهم.

واطلعت “دارفور24” على نسخة من عريضة جنائية تقدم بها متضررون من أبناء النهود وتجارها إلى النيابة العامة، اتهموا فيها القائد السابق بقوات الدعم السريع علي رزق الله “السافنا” وآخرين بالإشراف على عمليات نهب واسعة استهدفت الأسواق، ومخازن المحاصيل، والشاحنات، والسيارات الخاصة، عقب سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في الأول من مايو 2025.

وتستند العريضة الجنائية التي قُدمت في مايو الماضي، إلى إفادات متضررين وشهود ووثائق جمعها مقدموها، وتقدر العريضة القيمة الأولية للمحاصيل والسلع المنهوبة بأكثر من 60 مليون دولار أمريكي، تشمل كميات كبيرة من الفول السوداني والصمغ العربي ومحاصيل أخرى كانت مخزنة في بورصة النهود والمخازن التجارية، إضافة إلى مئات المركبات والشاحنات التي فقدها أصحابها أثناء الأحداث.

وطالب مقدمو العريضة النيابة العامة بفتح دعوى جنائية، وجمع الأدلة وسماع أقوال الشهود والمتضررين، وحصر حجم الخسائر، وتقديم كل من يثبت تورطه إلى محاكمة عادلة، مع تمكين المتضررين من المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم.

المتحدث باسم الدعم السريع الفاتح قرشي وعلي رزق الله السافنا – متداولة
وفي المقابل، نفى علي رزق الله “السافنا” مسؤوليته الشخصية عن عمليات النهب، وقال إن ما جرى في النهود كان يتم بتوجيهات مباشرة من قائد ثاني قوات الدعم السريع الفريق عبد الرحيم حمدان دقلو. ولم تتمكن “دارفور24” من التحقق بصورة مستقلة من هذه الإفادة.

وكان عدد من الناشطين من أبناء المنطقة وغرف الطوارئ قد سلطوا الضوء على عمليات نهب مدينة النهود، مشيرين بأصابع الاتهام إلى قوات الدعم السريع التي سيطرت على المدينة.

وفي 14 مايوم 2025 أكدت غرفة طوارئ دارحمر المختصة برصد الأوضاع في المنطقة، تعرض عدد كبير من المنازل في أحياء متفرقة من مدينة النهود بولاية غرب كردفان، إلى عمليات نهب وتخريب ممنهجة من قبل عناصر من قوات الدعم السريع.

وفي اليوم التالي نشرت ذات الغرفة منشوراً على صفحتها بموقع “فيسبوك” أشارت فيه إلى عمليات النهب التي طالت المحاصيل الزراعية وحثت سكان النهود على تجهيز البلاغات الجنائية في مواجهة ثلاثة قيادات بقوات الدعم السريع قالت انهم متورطون في عمليات النهب وهم “علي رزق الله السافنا وعمر ود ام سيالة والمستشار الباهي”.

وورد اسم “السافنا” في عشرات المنشورات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره واحد من قيادات قوات الدعم السريع الذين نفذوا عمليات النهب، حيث يقول ماهر اللورد إن قوة من الدعم السريع يقودها السافنا دخلت النهود عبر المحور الغربي وصلت إلى رئاسة المحلية وسوق المدينة وبدأت النهب.

كذلك أكد هاني الفاتح على منصة “إكس” وقوع عمليات نهب واسعة لممتلكات المواطنين في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، شملت مواد البناء ومحتويات المنازل، بواسطة عناصر قوات الدعم السريع، قبل نقلها إلى الضعين وغبيش والفولة.

وتشير “دارفور24” إلى أن الشكاوى والإفادات الواردة في هذا التحقيق لا تمثل دليلاً على المسؤولية الجنائية لأي طرف، حيث يبقى الفصل في الاتهامات من اختصاص السلطات العدلية والمحاكم المختصة. غير أن تقاطع شهادات الضحايا، وإفادات السائقين والتجار، وروايات المصادر العسكرية والمقاتلين السابقين، مع تتبع مسار جزء من السيارات والمحاصيل المنهوبة، يرسم صورة متماسكة عن واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على الممتلكات المدنية خلال الحرب.

وتبقى قضية النهب الكبيرة التي تعرضت لها مدينة النهود أكثر من مجرد ملف جنائي؛ فهي تمثل نموذجاً لكيفية تحول الاقتصاد المحلي الى عامل جذب لآلاف المقاتلين الذين استقطبوا للمشاركة في الحرب مقابل الحصول على موارد المدينة من جهة؛ ومن جهة نموذجاً بيناً لاقتصاد الحرب الذي بات يعتمد على نهب الموارد المحلية لتغذية الالة الحربية عن طريق ادخال الصالح من السيارات ذات الدفع الرباعي في العمليات العسكرية وبيع اخرى الى تجار الاستيراد بالاضافة الى سلع الصمع والفول والسمسم مقابل الوقود المستخدم في المركبات القتالية على كافة جبها القتال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *