الأخبار

من يوميات الحرب..”أبطال خلف الكواليس.. كيف حمى موظفو المطارات أصول المؤسسة تحت القصف؟

بقلم : مصطفى سليمان

مع الساعات الأولى لاندلاع الحرب في أبريل 2023، وجد سكان العاصمة أنفسهم أمام واقع لم يكن في الحسبان. ففي الوقت الذي عاد فيه كثيرون إلى منازلهم يوم الخميس استعداداً لعطلة نهاية أسبوع عادية، استيقظوا صباح السبت 15 أبريل 2023 على أصوات الرصاص ودوي الانفجارات، لتتحول الشوارع والأحياء إلى ساحات مواجهة، وتغدو الأولوية القصوى لكل رب أسرة هي إنقاذ أسرته وإبعادها عن الخطر.

وسط ذلك المشهد المليء بالخوف والارتباك، انشغل معظم الناس ــ بحق ــ بالبحث عن سبل النجاة وحماية الأرواح. لكن في المقابل، برزت نماذج مشرّفة من أبناء المؤسسات الوطنية الذين لم يكتفوا بالقلق على مصيرهم الشخصي، بل حملوا همّ الحفاظ على ممتلكات مؤسساتهم وأصولها الاستراتيجية.

ومن بين هذه النماذج، مجموعة من زملائنا العاملين بشركة مطارات السودان المحدودة، الذين أظهروا قدراً كبيراً من الشجاعة والانتماء المؤسسي، عندما خاطروا بحياتهم في ظروف بالغة الخطورة من أجل إنقاذ عدد من المحركات والمعدات التابعة للشركة. فقد أدركوا أن هذه الأصول تمثل جزءاً مهماً من مقدرات المؤسسة، وأن فقدانها سيضاعف من حجم الخسائر التي خلفتها الحرب.

لم تكن المهمة سهلة، ولم تكن الطرق آمنة، لكن الإحساس بالمسؤولية والولاء للمؤسسة دفع هؤلاء العاملين إلى التحرك في وقت كان فيه مجرد التنقل بين المواقع يمثل مخاطرة حقيقية يمكن أن يكون ثمنها هو حياة أحدهم ، وبينما كان الجميع يبحث عن ملاذ آمن، كانوا يعملون على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعدات والأصول، واضعين مصلحة المؤسسة فوق اعتبارات كثيرة.

إن مثل هذه المواقف لا تُقاس بقيمتها المادية فقط، بل بما تعكسه من روح الانتماء والإخلاص والتفاني في أداء الواجب. وهي مواقف تستحق التوثيق والتقدير، لأنها تؤكد أن المؤسسات لا تُبنى بالمباني والمعدات وحدها، وإنما تُبنى أولاً بسواعد رجال ونساء يؤمنون برسالتها ويقفون إلى جانبها في أحلك الظروف.

غير أن المؤسف أن كثيراً من هؤلاء لم ينالوا حتى الآن ما يستحقونه من تقدير معنوي، فضلاً عن المكافآت المادية التي تتناسب مع حجم ما قدموه. وقد لمست ذلك بوضوح من خلال رسالة صوتية لأحد هؤلاء الأبطال، عبّر فيها عن شعور عميق بالخذلان، ليس بسبب غياب المكافأة المالية فحسب، وإنما بسبب غياب كلمة الشكر والاعتراف بالجميل وهو شعور مر لا يعرفه إلا من تجرعه .

وهذا البطل ليس حالة فردية، بل نموذج واحد من بين عشرات وربما مئات العاملين الذين جنبوا مؤسساتهم خسائر تُقدَّر بملايين الدولارات، وهم يضعون أرواحهم في مواجهة خطر حقيقي. لذلك فإن الحديث هنا لا يتعلق بمنحة أو تفضل مادي من جهة ما، وإنما بحق أدبي وأخلاقي تجاه من قدموا ما يفوق الواجب الوظيفي في ظروف استثنائية.

إن المؤسسات الناجحة تدرك أن التحفيز ليس دائماً مالاً، وأن كلمة تقدير صادقة، أو شهادة عرفان، أو تكريم أمام الزملاء، قد تكون أحياناً أكثر أثراً من أي مكافأة مالية. فمثل هذه المبادرات ترفع الروح المعنوية، وتعزز الانتماء، وترسل رسالة واضحة للعاملين مفادها : أن جهودهم محل تقدير وأن تضحياتهم لا تُنسى.

وفي المقابل، فإن تجاهل هذه المواقف الاستثنائية يترك أثراً سلبياً عميقاً في نفوس العاملين، ويطرح سؤالاً مشروعاً :
كيف تنظر المؤسسة إلى منسوبيها؟ هل تراهم شركاء حقيقيين في النجاح والخسارة، لهم مشاعر وكرامة وتطلعات تستحق الاحترام؟ أم أنهم مجرد أدوات عمل تؤدي مهامها ثم تُنسى بمجرد انتهاء المهمة؟

إن اللحظات الصعبة هي التي تكشف حقيقة العلاقة بين المؤسسة والعاملين فيها. ففي أوقات الرخاء قد يؤدي الجميع واجباتهم، أما في أوقات الخطر فإن من يخاطر بحياته من أجل مؤسسته يستحق أن يشعر بأن مؤسسته لن تنسى موقفه. لأن الوفاء لا ينبغي أن يكون مطلوباً من العامل وحده، بل يجب أن يكون قيمة متبادلة بين العامل ومؤسسته.

وإذا كان هؤلاء قد أثبتوا ولاءهم للمؤسسة في أصعب الظروف، فإن أقل ما يمكن أن تقدمه لهم المؤسسة اليوم هو أن تثبت وفاءها لهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *