الأخبار

في مخيمات طويلة.. الشيوخ يحوّلون الإغاثة إلى سلعة للابتزاز الجنسي

متابعات – عزة برس

رغم فرارهن من ويلات الحرب بحثًا عن الأمن والغذاء والدواء في مناطق نزوحهن الجديدة، لا تزال النساءُ والفتياتُ الفارّاتُ من الفاشر إلى طويلة بولاية شمال دارفور يعانين من الابتزاز الجنسي مقابل الحصول على مساعدات إغاثية تسدّ جوع أطفالهن.

وتؤكد شهادات الضحايا، اللواتي من بينهن قاصرات، تعرّضهن للابتزاز الجنسي من قِبَل زعماء المجتمع المحلي المعروفين بـ”الشيوخ” وبعض العاملين في المنظمات، حيث يستغلّ هؤلاء حاجةَ الأسر الماسّة إلى الطعام والدواء ومواد الإيواء.

يوثّق هذا التقرير معاناة نساء وفتيات، من بينهن قاصرات، جرّاء الابتزاز الجنسي، ويستعرض إفادات بعض الشيوخ والناشطين وأسر الضحايا.

وظلت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تحذّر مرارًا من المخاطر الجسيمة التي تواجهها آلاف النساء والفتيات النازحات من الفاشر، اللواتي يقطنّ في تجمّعات غير آمنة تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحماية في طويلة.

وتُعدّ منطقة طويلة، الخاضعة لسيطرة حركة تحرير السودان، من أكثر المناطق استقبالًا للنازحين في السودان، حيث تؤوي حاليًا نحو 665 ألف شخص، معظمهم فرّوا من مدينة الفاشر.

لا مساعدة دون مقابل

قالت ناجيةٌ تعرّضت للاغتصاب خلال نزوحها من الفاشر، في مقابلة مع “دارفور24″، إن الشيوخ والعاملين في المنظمات لا يقدّمون خدمات الإغاثة للنازحات دون مقابل جنسي.

وأشارت إلى أنها، في إطار مساعدتها للتخفيف من معاناة الضحايا بوصفها إحدى الفتيات اللواتي تعرّضن لاعتداءات جنسية، رصدت عددًا من الحالات، غالبيتها لقاصرات تعرّضن للابتزاز الجنسي، غير أنهن يرفضن الإبلاغ عن الجناة خشيةً من التبعات، ولا سيّما الوصمة الاجتماعية.

ولا يقتصر الابتزاز على الاستغلال الجنسي، بل يمتد ليشمل الزواج القسري؛ إذ تقول نازحة لـ”دارفور 24” إن أسرتها زوّجت ابنتها البالغة من العمر 13 عامًا لأحد الشيوخ مقابل الحصول على مساعدات.

وذكرت أن الطفلة، بعد فترة من الزواج، نُقلت إلى أحد المراكز الصحية بسبب مضاعفات خطيرة، مما اضطرّ الطاقم الطبي إلى تخيير الزوج بين تطليق القاصر أو الإبلاغ عنه لجهات حماية الأسرة والطفل، فاختار الأول.

وأفادت بأن تجمّعات النازحين في طويلة شهدت ابتزاز العشرات، وخاصة القاصرات اللواتي يكنّ الأكثر عرضةً له.

وفي الحادي عشر من نوفمبر 2025، أعلنت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الجوع والفقر أدّيا إلى ارتفاع حادّ في معدلات زواج القاصرات، حيث إن 40% من الفتيات المتزوجات حديثًا أعمارهن دون الثامنة عشرة.

تفضيل العمل الشاق على الابتزاز

كشفت نازحة تبلغ من العمر 37 عامًا، وهي أمّ لعدد من الأطفال، في مقابلة مع “دارفور24″، أنها نزحت مع أطفالها قبل سقوط الفاشر، فيما اعتُقل زوجها على يد قوات الدعم السريع عقب سيطرتها على المدينة، وهو محتجز حاليًا في سجن دقريس بنيالا بولاية جنوب دارفور.

وأوضحت أنها تعرّضت للابتزاز الجنسي مقابل اثنتَي عشرة دفترًا (دسّة كراسات) وتسجيل ابنتها في المدرسة، وذلك من قِبَل شيخ معروف في طويلة.

وأفادت بأنها لم تتلقَّ أي مساعدات منذ قدومها إلى طويلة حتى اليوم، بسبب نفورها من الشيوخ هناك عمومًا في أعقاب ما تعرّضت له من ابتزاز.

ولفتت إلى أنها اضطرّت لتكليف ابنتها الصغيرة ببيع الفول السوداني والتسالي لمساعدة إخوتها، حيث تقضي يومها في التجوال للبيع رغم ارتفاع دراجات الحرارة.

ونوّهت إلى أنها ستكشف عن هوية الشيخ، إن تعهّدت “دارفور 24” بوجود جهة حقوقية تكفل حمايتها هي وأطفالها في طويلة.

وبدورها، قالت متطوّعة في شبكات الحماية المجتمعية لـ”دارفور 24″، إن اثنتين من جاراتها تعرّضتا للابتزاز والاستغلال الجنسي مقابل المساعدات، بعد أن دفعت بهما أسرتاهما للتسجيل للحصول على مساعدات إغاثية في أم جنقور بمخيم دبة نايرة الجديدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وكلتاهما حاملٌ الآن.

وأشارت إلى أن إحدى الفتاتين تبلغ 17 عامًا والأخرى 18 عامًا، وقد استدعت أسرتاهما كلتيهما في هذه الأيام.

إقرار بتفشّي الظاهرة دون معالجة

وكشفت ناجية أخرى لـ”دارفور24″ عن تعرّضها للابتزاز الجنسي من قِبَل بعض الشيوخ مقابل مساعدات نقدية مقدَّمة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، غير أنها لم تتسلّم المساعدة في نهاية المطاف.

وقال أحد المتطوّعين في جمعية الهلال الأحمر السوداني، الشريكة للجنة الدولية للصليب الأحمر، إن الابتزاز والفساد منتشران في جميع الأوساط بمخيمات النزوح، سواء من جانب الشيوخ أو العاملين في المنظمات أو المسؤولين في الشؤون الإنسانية للسلطة المدنية التابعة لحركة تحرير السودان بدائرة طويلة.

وتحدّث، خلال إفادته لـ”دارفور24″، عن استلام أحد الشيوخ مبلغًا ماليًا قدره 350 ألف جنيه سوداني من بعض المستفيدين في اليوم التالي لصرفه من قِبَل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بذريعة أن المساعدات النقدية وُزِّعت تابعةً للسلطة المدنية لحركة تحرير السودان.

وبيّن أنه أوصل الشكوى إلى اللجنة الدولية بحضور مديرها الإقليمي.

وأكد أن الابتزاز والاستغلال في تزايد مستمر بسبب غياب آليات الرقابة، سواء من قِبَل المنظمات أو الشؤون الإنسانية التابعة للحركة.

وأكّدت ناشطة نسوية لـ”دارفور 24″ أن ظاهرة الابتزاز والاستغلال الجنسي في تنامٍ مستمر بمخيمات النزوح، وعزت ذلك إلى السلطة المدنية التابعة للحركة، لأن الشيوخ والعاملين في المنظمات الإنسانية يستمدّون نفوذهم منها.

وكشفت أن الشؤون الإنسانية التابعة للسلطة المدنية تقتطع 20% من المساعدات الموزَّعة على النازحين، سواء أكانت نقدية أم عينية، فضلًا عن إلزام الشيوخ بقطع هذه النسب من المستفيدين، إلى جانب تسجيل أسماء وهمية.

وأشارت إلى أن المساعدات تُقتسم بين الشيوخ والسلطة والعاملين في المنظمات قبل وصولها إلى مستحقيها.

وأكّدت أن ما كُشف عنه من حالات الابتزاز والاستغلال الجنسي وسط النساء، وخاصة القاصرات، المرتبطة بالمساعدات، لا يتجاوز 1% حتى الآن، مشككةً في جدوى المحاكم الشعبية التي لا تُنصف الضحايا.

وقال زعيم أهلي لـ”دارفور 24″ إنهم على علم بأن تفشّي الحمل وسط النساء، وخاصة القاصرات، مرتبطٌ بالمساعدات.

وذكر أن عددًا من الشكاوى المتعلقة بحمل النساء والفتيات جرّاء الاستغلال الجنسي لأجل الحصول على المساعدات الإنسانية قُيِّدت أمام المحاكم الشعبية مؤخّرًا.

وأرجع تفشّي حالات الابتزاز الجنسي في مناطق النزوح إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتردّي الأوضاع المعيشية، معتبرًا ذلك السببَ الرئيسي وراء انتشار الظاهرة.

وحذّر في الوقت ذاته من دفع الأسر ببناتها إلى الافتراش في العراء بغرض التسجيل لصرف الحصص الغذائية، وهو ما استغلّه الشيوخ وبعض العاملين في المنظمات لابتزازهن جنسيًا مقابل الغذاء، في حين تحجم النساء عن الإفصاح عن هذه الممارسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *