
حاوره: محجوب أبوالقاسم
بصوت يختزن خبرة الميدان وصلابة القرار يتحدث الفريق أول ركن هاشم عبد المطلب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأسبق بلغة العسكري الذي يقيس الوقائع بميزان التقدير لا الانفعال ويقرأ المعركة بعين خبرت تفاصيلها من مواقع القيادة، بعد ثلاثة أعوام من حرب الكرامة، يقدم عبد المطلب قراءة عسكرية متماسكة لمسار العمليات كاشفا كيف انتقلت القوات المسلحة من امتصاص الصدمة الأولى إلى استعادة زمام المبادرة مستندة إلى عقيدة قتالية راسخة وروح معنوية عالية، في مقابل خصم فقد الهدف والبوصلة.
في هذا الحوار يفتح الرجل ملفات الميدان والتحولات الاستراتيجية ويتناول أثر الدعم الخارجي ويقترب من ملامح الحسم كما يطرح رؤيته لمستقبل الأمن القومي وشروط بناء قوة ردع تمنع تكرار مثل هذا الصراع ، فإلى مضابط الحوار
*بعد مرور ثلاثة أعوام على حرب الكرامة كيف تقيم الأداء العسكري للقوات المسلحة مقارنة ببدايات المواجهة؟*
قال تعالى: «وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم» صدق الله العظيم.
في البدء نسأل الله أن يتقبل الشهداء وأن يمن بالشفاء العاجل على الجرحى والمصابين، وأن يعود المفقودون والمأسورون إلى أهلهم سالمين.
بعد مرور ثلاثة أعوام على هذه الحرب المفروضة على الجيش والشعب السوداني بمختلف مكوناته من القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات والقوات المشتركة والمستنفرين بكل مسمياتهم يمكنني التأكيد أن الجميع أدّى واجبه على الوجه الأكمل بل تجاوز حدود الصبر والتحمل بكل المقاييس.
عسكريا وقبل أي عملية سواء كانت دفاعية أو هجومية يتم إجراء ما يعرف بتقدير الموقف، وهي عملية تحليل شاملة لكافة العوامل المؤثرة للوصول إلى أفضل خطة لإدارة العمليات ومن أهم هذه العوامل ما يعرف بتعادل القوة، حيث تقارن قدرات الطرفين كما ونوعا.
وفي هذه الحرب إذا نظرنا إلى هذا العامل في بداياتها لوجدنا أن التقديرات كانت تشير نظريا إلى تفوق المليشيا، نظرا لحشدها الكبير للقوات وتسليحها الكامل وانتشارها المسبق في معسكرات حول ولاية الخرطوم، خاصة المعسكرات التي آلت إليها بعد حل هيئة العمليات.
في المقابل لم تكن القوات المسلحة المتواجدة في الخرطوم تتجاوز 10% من حجم قوات المليشيا وكانت في معظمها وحدات خدمية. كما أن المليشيا بادرت بالهجوم وسيطرت في وقت وجيز على مواقع استراتيجية.
لكن بفضل الله وصمود القوات المسلحة خاصة قوات الحرس الرئاسي تم امتصاص الصدمة الأولى ثم استعادة زمام المبادرة تدريجيا وهو ما نراه اليوم في مختلف محاور القتال حيث تم قلب موازين المعركة لصالح القوات المسلحة ونتطلع إلى نصر قريب بإذن الله.
*ما أبرز التحولات الميدانية التي غيرت ميزان القوة على الأرض ومن صاحب اليد العليا فيها؟*
هناك عامل أساسي يجب التوقف عنده وهو لماذا تقاتل القوات المسلحة؟ وكيف تقاتل؟
القوات المسلحة تقاتل وفق عقيدة عسكرية وعقيدة قتالية راسخة بينما المليشيا حتى الآن تفتقر إلى وضوح الهدف والنهج، وهو ما ينعكس على أدائها الميداني.
من أبرز التحولات أن القوات المسلحة خاضت المعركة وفق خطط مدروسة وضعها ضباط محترفون ذوو خبرة، واعتمدت على النفس الطويل ما أدى إلى إنهاك العدو تدريجيا وخفض معنوياته مقابل رفع معنويات القوات المسلحة.
كما ساهم إدخال تجهيزات حديثة واستخدام تكتيكات متطورة في إحداث خسائر كبيرة في صفوف العدو ولا بد من الإشادة بدور منظومة الصناعات الدفاعية ومديرها وجميع العاملين بالمنظومة الذين أسهموا بجهد كبير في هذا الجانب.
كذلك كان لدخول المستنفرين دور حاسم حيث قاتلوا بشجاعة وقدموا تضحيات كبيرة إلى جانب القوات المشتركة التي لعبت دورا مهما في التحولات الميدانية ولا يمكن إغفال الدور الكبير للشعب السوداني الذي كان سنده المعنوي حاسما في رفع الروح القتالية.
*إلى أي مدى نجحت القوات المسلحة في تفكيك البنية القتالية للمليشيا؟ وهل نحن أمام مرحلة حسم أم استنزاف؟*
أؤكد لك أن القوات المسلحة نجحت بدرجة كبيرة في تفكيك البنية القتالية للمليشيا من حيث العتاد والقيادات التي تم تحييدها.
ما تبقى الآن هو مجموعات متفرقة من المرتزقة والعناصر المأجورة وهو ما يظهر بوضوح في ضعف نشاطهم الميداني وتراجع خطابهم الإعلامي.
نحن الآن نقترب من مرحلة الحسم بعد أن فقدت المليشيا تماسكها العسكري والمعنوي.
*كيف تقيم الدعم الخارجي الذي تتلقاه المليشيا، وتأثيره على إطالة أمد الحرب؟*
لا شك أن الدعم الخارجي المستمر كان له دور كبير في إطالة أمد الحرب، ومنح المليشيا قدرة مؤقتة على الصمود في بعض المناطق.
لكن رغم ذلك فإن القوات المسلحة مدعومة بإرادة الشعب قادرة على تحقيق أهدافها والوصول إلى غاياتها الاستراتيجية.
*ما دلالات توقعكم بحدوث تصدعات داخل مليشيا الدعم السريع عقب عودة موسى هلال وما هي الرسائل التي تود توجيهها لكل من الإعلام الوطني والأطراف المعنية في هذه المرحلة؟*
نتوقع تصدعات في مليشيا الدعم السريع بعد عودة موسي هلال وسيعقبه آخرون ،
وعلي إعلامنا الذي انتصر في معركة الكرامة ان ينتصر علي خطاب العنصرية البغيضة و كوادرنا و مؤسساتنا الإعلامية مؤهلة لذلك
*كيف تقيم معنويات المقاتلين بعد ثلاث سنوات من القتال؟*
أطمئن الجميع بأن معنويات المقاتل السوداني عالية جدا، سواء في السلم أو الحرب.
الجندي السوداني يتمتع بقدرة فريدة على الصمود، ومن السهل رفع معنوياته، ومن الصعب جدا كسرها، وهذا عامل حاسم في سير العمليات العسكرية.
*ما الشروط اللازمة لإنهاء الحرب بشكل يحفظ وحدة السودان ويمنع تكرارها؟*
السودان بلد غني بالموارد ما يجعله عرضة للأطماع لذلك لا بد من بناء قوة ردع حقيقية تحميه.
أرى ضرورة العمل على محورين أساسيين
أولا تطبيق نظام الاحتياط العسكري كما هو معمول به في دول كبرى وثانيا الاستفادة من الخدمة الوطنية في دعم الجوانب المدنية والعسكرية.
كما يجب الانتباه لوجود تهديدات داخلية بما في ذلك العناصر التي يمكن استغلالها من الخارج والتي تعمل من الداخل وخير مثال ماحدث خلال معركة الكرامة.
*ما أبرز التهديدات المستقبلية؟*
التهديدات متعددة أمنية واقتصادية وغيرها ويجب التعامل معها بوعي واستباقية.
نحن لا نعتدي ولكننا نرد بقوة على من يعتدي علينا ولدينا القدرة على حماية وطننا وموارده.
*كيف تنظر إلى التعديلات الأخيرة في هياكل القيادة؟*
التعديلات داخل هيئة الأركان أمر طبيعي يخضع للوائح وإجراءات دورية وربما تأخرت بسبب ظروف الحرب.
اختيار القيادات الجديدة تم وفق معايير مهنية والفريق اول ياسر هو من الضباط الذين خدموا في مناطق القتال وخاض العديد من المعارك والضباط الذين تم اختيارهم من خيرة الضباط كل في مجاله ونأمل أن تسهم هذه التغييرات في تحقيق المزيد من النجاحات خلال المرحلة المقبلة.
أما التعيينات السياسية فهي تخضع لاعتبارات مختلفة ترتبط بالظروف العامة للدولة وتقديرات القيادة.
*كلمة أخيرة؟*
السودان بلد عظيم وشعبه يستحق الأفضل.
ونحيي كل المواقف الداعمة للشعب السوداني في هذه الظروف ونسأل الله أن يعم السلام والاستقرار ربوع الوطن.











