
لا تعجبني طريقة بعض السودانيين في التعامل مع مصر، اذا أصابهم خيرها قالوا (مصر والسودان حتة واحدة) واذا أصابهم فيها شر قالوا (مصر والسودان ٦٠ حتة) ولعل هذا ما يحدث للبعض في مقابل حملات الانضباط التي تقوم بها السلطات المصرية هذه الأيام للسودانيين المقيمين في ارضها، ولست بالطبع بصدد الدفاع عن هذه الحملات، ولا حتي التبرير لها، ولكن ليس هكذا يتم تقييم العلاقات بين الدول والشعوب، وليست هذه الحملات هي العنوان الأبرز في العلاقات السودانية المصرية، علي مر العصور والازمان بصفة عامة، وفي زمن هذه الحرب الملعونة بصفة خاصة.
ودون الدخول في تفاصيل هذه الحملات، فهي اولا ليست كما يصورها البعض، لا سيما الذين يزعمون انها تطال كل سوداني، وأن من وقع في يدها لا تشفع له إقامة او اي مبرر احر للإقامة في مصر، فهذا الزعم ليس صحيحا علي اطلاقه، فقد تحدث تجاوزات، لكنها ليست الأصل، ويمكن معالجتها طبعا، وقد حكي البعض انهم تم القبض عليهم لأنهم لم يكونوا يحملون هوياتهم، وزج بهم في السجون، وأخذت منهم موبايلاتهم، لكنهم عندما استطاعوا أن يثبتوا شرعية وضعهم أطلق سراحهم.
ولا بد أن نشير هنا الى ان الوضع قد اختلف، سواء في السودان او في مصر، فالسودانيون قبل نحو ثلاث سنوات تعرضوا لحرب لم يشهدوا لها مثيلا، اضطرتهم لمغادرة بلدهم دون أن يجدوا فرصة لترتيب حالهم، والسودانيون لا يعرفون في السراء والضراء معا بلدا غير مصر، فهي قبلتهم في السياحة والتجارة ولقضاء شهر العسل، وفي العلاج، والصيام رمضان، فيها يعيشون، وفيها يموت كثيرون منهم، فلما وقعت الحرب، كانت مصر هي قبلتهم الاولي بلا مقارب، وكالعهد بمصر وأهلها، فوجدوا فيها أكثر واجمل واعظم مما كانوا يتوقعون، وكانت فرصة لكثيرين ليعرفوا عمق وصدق ومحبة المصريين للسودان والسودانيين، وكانت سانحة طيبة بالنسبة لي شخصيا، ليعلم العوازل اني كنت متقدما عليهم في معرفة مصر، لذلك لم اتنازل عن حبي لمصر وأهلها عندما كان اهلي وناسي لهم كارهون، وسعدت كثيرا بأن اكثر الذين كانوا يكيدون لي بسبب حبي لمصر، لم يجد غير مصر تأويه وتحتضنه، ولم تسمح مصر لخصومه الجدد، احباب الأمس أن يتعرضوا له وهو في ارضي، فلم يجد غير أن يقول لي (معليش.. زمان ظلمناك كتير .. ما كنا بنعرف مصر، الان الوضع تغير تماما، الحرب في خواتيمها، وانحسر وجود المليشيا وانكسرت شوكتها، وصار الناس يعودون إلى بلادهم، ولم يبق غير الذين طاب لهم المقام، أو ألذين لديهم ارتباطات، لا سيما في مجال التعليم، وفي ظل هذه المتغيرات اعتقد انه مقبول من مصر تنفيذ بعض ضوابط أمن بلدها وشعبها.
ومثلما سعدت في هذه الزيارة لمصر باستئناف الدورات التدريبية التي ينظمها مركز عنقرة للخدمات الصحفية في المركز الإقليمي للتدريب في مؤسسة الاهرام العملاقة، التي يرعاها صديقي الحبيب السفير العظيم فوق العادة وزيادة السفير هاني صلاح سفير مصر والسودان في السودان ومصر، وسعدت بصديقي خبير التدريب العالمي الاستاذ سامح عبد الله مدير مركز التدريب، واهتمامه الخاص ومتابعته، وإشرافه المباشر ومعه معاونوه الافاضل معتز وامال وعرابي، وسعدت اكثر برعاية الاستاذ الدكتور محمد فايز فرحات رئيس مجلس إدارة الاهرام ووعده بتشريف حفل الختام، وتوزيع الشهادات علي المتدربين، وكانت سعادتي عظيمة جدا بجلسة مهمة جدا مع سيدة الأعمال الخبيرة الاقتصادية المتميزة وفاق صلاح عبد العال مبروك، وحرصت علي ذكر اسمها كاملا لما لهذا الاسم من أصداء حبيبة، فعلي المستوي الشخصي فهو صديق صدوق، مجدد ومتجدد، وعلي المستوي التام، وما يهم في هذا المقام، أن صلاح له الرحمة والمغفرة كان أول مسؤول سوداني لملف العلاقات السودانية المصرية اول عهد حكومة مايو برئاسة الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري بطل التكامل العظيم مع رفيقه بطل العبور محمد أنور السادات ابن خالتنا أم سترين بت خير الله، أو ست البرين كما كان يطلق عليها في مصر، والاسعد في جلستي مع وفاق، اني وجدتها فد استثمرت فترة إقامتها الإجبارية في مصر، فسبرت غور الاقتصاد المصري، ووصلت إلى ذات ما اوصي به والدها الراحل المقيم، وترجمه الرئيسان نميري والسادات، فوصلت إلى أن نهضة السودان الاقتصادية مع مصر، ونهضة مصر الاقتصادية مع السودان، ومصر والسودان لا فكاك لهما، ولا بينهما.











