
خلال الأيام القليلة الماضية، تصاعدت شكاوى السودانيين المقيمين بجمهورية مصر العربية بسبب الازدياد الملحوظ في حملات الضبط والترحيل، أو ما يُعرف شعبيًا بـ«الكشّات»، لا سيما في أوساط السودانيين وأماكن تجمعهم بمدينة القاهرة.
وعلى الرغم من القسوة النفسية التي تخلّفها هذه الوقائع، إلا أن مثل هذه الظروف تفرض علينا التحدّث بصراحة إلى أبناء شعبنا الموجودين في مصر، ومواجهة الحقائق القانونية والسياسية المرتبطة بما يتعرّض له السودانيون هناك، والتفكير بهدوء في أفضل السبل الممكنة للتعامل مع هذا الواقع.
للأسف، فإن السودانيين المقيمين في جمهورية مصر العربية يتمتعون بقدرٍ محدود جدًا من الحقوق من الناحية القانونية، بما في ذلك أولئك الحاصلون على بطاقات اللجوء الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهي بطاقات غالبًا لا تعترف بها السلطات المصرية أثناء حملات الضبط.
ولفهم هذه الإشكالية، لا بد من الإشارة إلى أن بطاقات المفوضية نوعان: الأولى تفيد بأن حاملها تقدّم بطلب لجوء بموجب اتفاقية عام 1951 ولا تزال إجراءاته قيد النظر، والثانية تفيد بمنح صفة اللاجئ فعليًا. غير أن كلا النوعين لا يتمتعان بحجية قانونية مباشرة وفقًا للقانون المصري. ويرجع ذلك إلى التعقيد القائم بين القانون الدولي والقوانين الوطنية؛ إذ إن الاتفاقيات الدولية لا تسري تلقائيًا داخل الدول، وإنما تلتزم الدول بعد التصديق عليها بسن تشريعات وطنية تُنظّم تطبيقها. وغالبًا ما يخلق هذا الأمر فجوة بين نصوص الاتفاقيات والتطبيق العملي داخل الدول.
في الحالة المصرية، صدر قانون تنظيم لجوء الأجانب لسنة 2024، والذي أنشأ اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين، وأسند إليها مهام محددة، من بينها:
• الفصل في طلبات اللجوء.
• التعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
• التنسيق مع الجهات الإدارية لتقديم الخدمات والرعاية للاجئين.
وبناءً عليه، فإن بطاقة المفوضية وحدها لا تكفي لاعتراف السلطات المصرية بوضع اللاجئ داخل الأراضي المصرية، خصوصًا في ظل التداخل القائم بين قانون اللجوء حديث الصدور نسبياً وقانون دخول وإقامة الأجانب رقم 89 لسنة 1960 وتعديلاته. حيث يمنح هذا القانون، بموجب المادة (31)، مدير مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية سلطة إصدار قرار إداري مسبب بإبعاد الأجنبي، حتى وإن كان حاصلًا على إقامة، في حالات من بينها:
• إذا دخل البلاد بطريق غير مشروع.
• إذا لم يغادر البلاد بعد انتهاء مدة إقامته.
• إذا خالف الغرض الذي منح الإقامة من أجله.
• إذا صدر ضده حكم بعقوبة مقيدة للحرية.
ويجدر التنبيه إلى أن هذا الإبعاد إداري ولا يتطلب حكمًا قضائيًا. كما أن قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024 لا يُلغي تلقائيًا تطبيق قانون دخول وإقامة الأجانب رقم 89 لسنة 1960، بل ينشئ إطارًا خاصًا لطالبي اللجوء. ورغم الافتراض القانوني بعدم معاقبة طالب اللجوء على الدخول غير المشروع، إلا أن غياب نص صريح يُبقي هذا الافتراض نظريًا وغير مُلزِم في التطبيق العملي. ووفقًا لقانون الإقامة المصري، فانه لا يُعترف بحق الإقامة إلا إذا كانت صادرة عن السلطات المصرية، وليس عن أي جهة أخرى. وبالتالي، لا يُعتد ببطاقة المفوضية ما لم تُستكمل بوثيقة إقامة صادرة عن اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين.
هذا هو الوضع القانوني للاجئين السودانيين في مصر، وهو وضع مشابه لما هو قائم في معظم دول اللجوء الإفريقية، باستثناء أوغندا التي تمتلك أحد أفضل قوانين اللجوء على مستوى العالم.
إذن، ما العمل؟
من الواجب مواجهة أنفسنا ببعض الحقائق القاسية، وأولها أن مسألة وجود السودانيين في مصر شأن سيادي مصري تحكمه القوانين المصرية، ولا تملك أي جهة دولية فرض تغييره، سوى عبر التفاوض واستخدام الأدوات الدبلوماسية الناعمة ومبدأ التعامل بالمثل. وثاني هذه الحقائق أن القرارات المتعلقة بالحملات والترحيل هي في جوهرها قرارات أمنية، غالبًا ما تُبرَّر بارتفاع أعداد الوافدين أو بوجود مخاوف تتعلق بالأمن العام، خاصة عند تركز الوافدين في مناطق محددة كما فعل السودانيون في فيصل مثلاً.
وفي ظل هذا الواقع، فإن المسؤولية الفردية والجماعية تفرض علينا كسودانيين احترام شروط الدولة المضيفة مهما كانت قاسية وتجنّب أي سلوك قد يُستغل لتبرير هذه الإجراءات، مع إدراك الطبيعة الأمنية والبوليسية الصارمة للدولة المصرية.
في نهاية المطاف، فإن جذور هذه الأزمة ليست في دول اللجوء، بل في السودان نفسه، حيث أدّت صراعات النخب العسكرية والميليشياوية من أبناء جلدتنا إلى الاقتتال داخل المدن والقرى، بل وحتى منازل المواطنين، مما أدّى إلى تهجير الملايين منا. وبالتالي، فلا يجوز أن نطالب الآخرين بأن يكونوا أحنّ علينا من أبناء جلدتنا. إن حل مشكلتنا بأيدينا نحن، حين ننهض لانتزاع الأمر من أيدي هذه المجموعات الفاسدة من كبار الضباط وقادة الميليشيات وحلفائهم من الانتهازيين وعناصر الحركة الإسلامية، ونلتفت إلى مهمة بناء بلادنا ووضعها على طريق التنمية؛ فهذا وحده ما يحفظ كرامة السودانيين ويعزّز مكانتهم بين الشعوب.
مرفقات
1. قانون تنظيم لجوء الاجانب لسنة 2024م https://www.refworld.org/sites/default/files/2025-01/asylum_law_no._164_for_year_2024_egypt.pdf?utm_source=chatgpt.com
2. وقانون دخول وإقامة الأجانب https://manshurat.org/node/7355
#برهان_حميدتي_ستدفعون_الثمن
#صرف_مرتبات_العاملين_قضية_حياة
#لاتفاوض_لاشراكة_لاشرعية
#أوقفوا_الحرب











