
“فَلَرُبَّمَا كَانَ الـبَغِيضُ مُقَارِبًا .. وَلَرُبَّمَا كَانَ الـحَبِيبُ بَعِيدَا”
سلامٌ على القلوب التي اتسعت بعد ضيق، واستبدلت وحشة البغضاء بصفاء الوداد.
مجموعة معينة من الحي:
قبل اندلاع الحرب، نشبت فتنةٌ بيننا وبين مجموعة من أهل الحي، ناصبونا العداء وأنكروا وجود “المسيد” وشيخ الأمين. اشتد النزاع حتى تعالى هتافهم بالمطالبة بالرحيل: (ارحل.. ارحل)؛ وكأنهم نسوا أنني هنا نشأتُ وقضيت صباي وشبابي. هذا بيتي مِلكي، وساحة المسيد مِلكي، وجذوري ضاربة في أعماق هذا الحي؛ فمن جهة الوالد تعود أسرتي لحي “بيت المال” العريق، ومن جهة الوالدة لأسرة عريقة بحي “ود نباوي”.
عقدان من الخصومة:
استمر هذا العداء طيلة عشرين عاماً، وأيقظت الفتنةُ بيننا وبينهم شراً مستطيراً، حتى بلغت الخصومةُ أروقة المحاكم وساحات القانون. وفي تلك الحقبة، تدخل معتمد أم درمان فأوقف حِلق الذكر والدروس وكافة الشعائر في المسيد؛ (كان امتحاناً ومحنة، ولكن بعد كل محنة منحة).
إلى أن باشرت لجنة أمنية التحقيق في كنه الخلاف، وما إن فرغت من تقصي الحقائق حتى أمرت باستئناف نشاط المسيد فوراً ليمضي كل طرفٍ في سبيله؛ فنحنُ في ذكرنا وعبادتنا، وهم في شأنهم. (نحن في حالنا وهم في حالهم)، وقد شددتُ على “حيراني” بضرورة التزام الصمت، وبالطبع كان بيننا وبين بقية الأهالي علاقات طيبة، يحبوننا ونحبهم.
السلفية والعداء المتوارث:
على الرغم مما كان يسببه لي هذا العداء من ضيق، فما زلت أؤمن بأننا مسلمون يجمعنا رسولٌ واحد ووطنٌ واحد. لقد كنتُ مُجبرًا على خوض غمار تلك الخصومة، ففي قرارة قلبي لا أضمر لهم كرهًا، بخلاف ما كانوا يبادلونني به من جفاءٍ وصل حدَّ الإساءة.
أذكرُ ذات مرة في إحدى المناسبات القومية، أنني صادفتُ جاري “السلفي”، فرفض حتى أن يلقي عليَّ (سُنّة الإسلام: السلام)، بل وغادر المحفل فور قدومي مسرعًا؛ كان لا يطيق رؤيتي حتى وإن كان ذلك من بعيد.
اندلاع الحرب
بعد أن أُغلقت جميع المحلات والمرافق الطبية، وانقطعت الخدمات من كهرباء ومياه، أصبح هناك ملجأ وحيد لمن أرادوا البقاء “مسيدي وداري” (و دي الدايرا أنا). نعم، كنت أتمنى أن أستقبلهم جميعاً وأكرمهم، لتعود بيننا جسور المحبة والإخاء.
فجاء أعدائي وأحبائي إلى “المسيد”، ولكني اهتممتُ بخصومي أولاً لأنهم جاءوا على استحياء؛ لذلك كنت أهُمُّ باستقبالهم والترحيب بهم وأؤكد لهم: (أن البيت بيتكم). وكشفت الشدة عن طيب معدنهم، فأصبحوا يخدمون معنا زوار المسيد بعدما كانوا منكمشين على أنفسهم.
..قضينا اوقاتنا معاً تحت ازيز الطيران و نيران السلاح و الملاح نقتسم اللقمة في احلك الاوقات و الشدائد نشد بعضنا بعضا ،، و ادركنا ان كل تلك المشاحنات كانت شيطانية فقط .
و المثل السوداني بقول ( ما محبة الا بعد عداوة )نحب بعضنا في الله و لن بفرقنا الشيطان مرة اخري ..
لا نرضى فيهم مكروهاً ولا يرضون فينا.
“مسيدنا نور وأرضنا أزهرت” وهمُّنا زال بوجودكم معنا في المسيد.
وفعلاً عدو الامس حبيب اليوم .
و مسيدنا مش حتقدر تغمض عينيك .
للحديث بقية









