
بين يدي وثيقة قضائية ليست كغيرها؛ إنها أمر تنفيذ صادر عن المحكمة العليا بالرقم (تنفيد/1/2021م)، ممهور بتوقيع قاضي المحكمة العليا، تاج الأصفياء خليل محمد. هذه الورقة، التي تحمل هيبة الدولة السودانية، موجهة إلى مدير عام الخطوط الجوية السودانية لإنصاف السيد عادل أحمد المصطفى وآخرين في قضية تعود جذورها إلى عام 2018. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بمرارة: لماذا لا يزال هذا الحق حبيس الأدراج رغم مرور قرابة ثلاث سنوات على أمر التنفيذ النهائي؟
عندما تصل القضية إلى ردهات المحكمة العليا ويصدر فيها حكم بات، فإننا ننتقل من مرحلة “البحث عن الحق” إلى مرحلة “فرض القانون“. إن نكوص “سودانير” – وهي المؤسسة الوطنية العريقة – عن تنفيذ حكم قضائي، لا يمثل مجرد تأخير مالي، بل هو طعنة في خاصرة العدالة الناجزة. إن الدولة التي ترفع شعار “سيادة حكم القانون” لا يمكنها أن تسمح لمؤسساتها بضرب قرارات القضاء عرض الحائط.
خلف اسم “عادل أحمد المصطفى” المذكور في الديباجة، تقف جيوش من “الآخرين“؛ معاشيون، وأسر، وعمال أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الناقل الوطني. هؤلاء لم يطلبوا منحة أو صدقة، بل يطالبون بحقوق أقرتها أعلى سلطة قضائية في البلاد. في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها السودانيون اليوم، يصبح التأخير في صرف هذه المستحقات بمثابة حكم بالإعدام المعيشي على هذه الأسر.
تظهر الوثيقة أن الخصوم في هذه القضية هم “مجلس الوزراء” و”الخطوط الجوية السودانية“. والمفارقة هنا تكمن في أن الجهة المنوط بها حماية القانون (السلطة التنفيذية) هي نفسها التي تتماطل في تنفيذه. إن هذا المسلك الإداري يرسل رسالة سلبية للمستثمرين وللمواطنين على حد سواء: “أن حقوقكم ليست مضمونة حتى لو امتلكتم أحكاماً قضائية“.
بصفتي جزءاً من المنظومة الشعبية الداعمة لهذه المؤسسة، ومن موقعي في رئاسة “أصدقاء سودانير“، أجد نفسي مضطراً لرفع الصوت عالياً. إن إصلاح “سودانير” لا يبدأ فقط بتحديث الأسطول، بل بتبني “أخلاق المؤسسة” التي تحترم منسوبيها وتخضع لسلطة القانون.
إننا نناشد مجلس السيادة ووزارة المالية التدخل الفوري. إن تحويل “الحبر” الذي كتب به القاضي تاج الأصفياء حكمه إلى “واقع” في الحسابات البنكية لهؤلاء المتضررين هو الاختبار الحقيقي لمصداقية الدولة.
ختاماً: العدالة المتأخرة هي ظلم صريح. إن صرف حقوق عادل أحمد المصطفى وزملائه فوراً ليس خياراً إدارياً، بل هو واجب وطني وأخلاقي وقانوني لا يقبل التأجيل.
م. صلاح غريبة
رئيس أصدقاء الخطوط الجوية السودانية (سفر) – القاهرة











